⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الأمنية معروفة، وهي مفرد الأماني، وقد جاءت في كتاب الله تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 123].
نعم، تأتي الأماني بمعنى القراءة، كما وصف الله سبحانه وتعالى فريقًا من أهل الكتاب بأن معرفتهم الكتاب إنما هي فقط مجرد قراءة، وقد جاء في كلام العرب ما يدل على هذا المعنى، وذلك في قول الشاعر:
تمنى كتابَ الله أولَ ليلةٍ
وآخرَه لاقى حمامَ المقادرِ
فتمنى هناك بمعنى قرأ، ولكن هذا لا يمكن أن نحمل عليه – بأن القراءة، قراءة النبي صلى الله عليه وسلم أو قراءة أي نبي من الأنبياء عليهم السلام لشيء مما أنزله الله سبحانه وتعالى عليه – تؤدي إلى أن يدرج الشيطان في تلكم القراءة ما يلبِّس هذا المنزل، فإن في هذا ما يعارض حفظ الله تبارك وتعالى للوحي، ودرعه لكل ما عساه أن يشوش على هذا الوحي.
لأجل هذا نحن نستبعد كل الاستبعاد ما قاله الذين فسروا التمني هنا بالقراءة، وجعلوا أن النبي عندما يتلو شيئًا من القرآن يأتي الشيطان ليلبس هذه القراءة بما يمليه بنفسه حتى يتصور الناس بأن النبي قال ما لم يكن قاله، أو قال شيئًا ما لم يكن أوحي إليه، فإن هذا ما يعاكس عصمة الوحي، والقرآن الكريم قد دل على عصمة الوحي في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. فالذكر محفوظ من كل ما يُلبِّس على الناس أمره، ولا يمكن أن يتسلط الشيطان قط على ذكر أنزله الله سبحانه وتعالى.
والذين فسروا الأمنية أو فسروا التمني بالقراءة بنوا على هذا قصة الغرانيق التي ذكروا بأن الشيطان أدرجها في سورة النجم عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلوها عليه الصلاة والسلام، وأنه أجرى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، أو أدخل في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم تلك «الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى»، وهذا مما جعل كفار قريش يرتاحون لهذا، ولذلك سجدوا مع المؤمنين الذين سجدوا في آخر السورة الكريمة. هذا أمر بعيد عن الحقيقة، وقد أدرك العلماء المحققون بأن هذا مما يعاكس حفظ الله تبارك وتعالى للوحي، ولا يصح.
لذلك نحن نقول: إن النبي هو إنسان، والإنسان تعرض له العوارض، ومن بين هذه العوارض الانفعالات النفسية والعواطف، ولكن هذه العواطف تظل في حدود ما يرضي الله تبارك وتعالى، لا تتجاوز مرضاته سبحانه.
فالنبي بطبيعة الحال يتمنى الكثير الكثير، ومما يتمناه: يتمنى أن يحقق الله سبحانه وتعالى على يديه خير الإنسانية بأسرها، بحيث لا يبقى أحد من البشر إلا آمن به، واتبع الرشد الذي أنزله الله تبارك وتعالى إليه من أجل أن يسعد الناس، وأن ينقذهم النبي من الهلكة. وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا كل الحرص على نجاة الناس وعلى إيمانهم، وقد قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3].
فأماني المرسلين دائمًا هي أماني خير، يريدون خير الإنسانية. ولكن بطبيعة الحال قد يدخل الشيطان شيئًا من الأفكار أو شيئًا مما يحاول أن يُلبِّس الأمر على الرسول من خلال ما يتمناه، إلا أن الله سبحانه وتعالى يمحو ما يُلقي الشيطان، ويحكم الله سبحانه وتعالى آياته، ويبقى النبي عليه أفضل الصلاة والسلام مصونًا، يبقى النبي كما يريد الله سبحانه وتعالى معصومًا، يبقى بعيدًا عن التأثر بما يُلقي الشيطان، فتبقى الأمور كما هي.
نعم.