⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الله كَثُرَتِ النصوصُ القرآنية التي تؤكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي نصوص كثيرة، من نحو قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].
ومن هنا في هذه الآية، الآية الكريمة ليست للتبعيض، وإنما لبيان الجنس، أي: «منكم» من جنسكم، وبدليل أنه قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فعلق الفلاح على ذلك، وهذا يدل على أن هذا أمر موجه من الله عز وجل إلى كل الأمة أن تكون آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر.
وكذلك عندما وصف الله تعالى المؤمنين والمؤمنات جعل في مقدم صفاتهم، ومن أول صفة من صفاتهم هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: 71]، فالبدء بهذه الصفة يدل على أنها من أخص صفات المؤمنين جميعاً، وقدمها على الصلاة وعلى الزكاة؛ لأنه قد لا ينتبه لها، ينتبه لإقام الصلاة وينتبه لإيتاء الزكاة، ولكن لا ينتبه لأمر الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقدمها لأنه لولا الدعوة لما أقيمت الصلاة ولا ما أتيت الزكاة، فلهذين الأمرين جميعاً قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومثل هذا نلحظه أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]، فمقتضى الترتيب من حيث الأهمية أن يقال: آمن، ثم عمل صالحاً، ثم دعا، لكن أخر الإيمان لمَعْرِفَةِ كثيرٍ من الناس به لاستقراره في أذهانهم أنه لا بد من الإيمان للنجاة، ووسط العمل؛ لأن من الناس من يدرك أهمية العمل وإن كان بعضهم يتساهل فيه، وقدم على ذلك الدعوة لكثرة التساهل فيها، ولظنها أنها غير واجبة أو أنها مختصة بأناس دون أناس.
والرسول صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة»، وهذا كما تعلمون في علم البلاغة يعتبر تعبيراً بليغاً؛ حيث حصر الدين في النصيحة، أسلوب حصر، فحصر الدين في النصيحة، فكأنه لا يوجد في الدين شيء إلا النصيحة، وهذا لبيان مكانة النصيحة وأهمية النصيحة في الإسلام. ويقول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ».
والآيات والأحاديث في هذا الباب تعلمونها، وهي كثيرة.
نعم، بعد هذا نقول: إنه لا يمكن لهذه الآية الكريمة أن تعارض أو أن تناقض أو أن تخالف في معناها هذا العدد الكبير من النصوص الشرعية، فإذاً لا بد أن نفهمها في ضوء هذه الآيات وهذه الأحاديث.
فنقول في قوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]: إذا اهتديتم للقيام بما وجب عليكم من دعوته، ومن نهيه عن المنكر، فلا يضركم ضلاله بعد ذلك؛ بمعنى: أنتم أدوا ما عليكم، وبعد ذلك لا يضركم من استمر على ضلاله بعد أن هداكم الله إلى الخير، وهداكم إلى القيام بتفاصيل هذا الدين، ومن ضمنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والله تعالى أعلم.