⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن لرسل الله تعالى المصطفين الأخيار مقامًا رفيعًا يفوق مقام الناس أجمعين، فهم صفوة الله تعالى من خلقه، صُنعوا على عين الله، وأعدّهم الله سبحانه وتعالى أن يكونوا حملة لأمانته، ووعاء لهدايته التي أرادها لخلقه.
فلذلك كان تعظيمهم جميعًا واجبًا على كل مسلم، كما أن الإيمان بهم جميعًا من غير تفريق بين رسول ورسول من هذه الناحية أمرًا واجبًا أيضًا، لا يُسِمْح منه أيّ أحد يريد أن يكون موصولًا بحبل الله تعالى. ولذلك فرض الله تعالى علينا أن نؤمن بجميع هؤلاء الرسل، فلا يجوز أن نفرّق بين رسول ورسول آخر من حيث الإيمان، علينا أن نؤمن برسالات الله تعالى جميعًا، وبالرسل الذين حملوا هذه الرسالات إلى عباد الله، وألّا نفرّق بين رسول ورسول فنؤمن ببعض ونكفر ببعض والعياذ بالله كما وقع في ذلك الآخرون.
فأولئك الذين فرّقوا بين رسل الله تعالى وقالوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، كان إيمانهم بمن آمنوا به من الرسل لا يجديهم شيئًا، لأن من كفر بأيّ رسول فقد كفر برسل الله جميعًا. فمن هذه الناحية يجب علينا أن ندرك أن هؤلاء الرسل لا يُفَرَّق بينهم، وهو معنى قول المؤمنين الذين حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، أي لا يفرّقون بين أحد من الرسل من حيث مجمل الإيمان.
وهذا لا ينافي أن يكون بعضهم أفضل من بعض، فقد فضّل الله بعضهم على بعض، رفع بعضهم درجات، وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلم الله سبحانه وتعالى موسى. وهذا يعني أنهم يتميّز بعضهم على بعض بالخصائص التي جعلها الله تعالى لهم.
حسبنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم وصفه الله تعالى هذا الوصف العظيم الذي تعجز الألسنة جميعًا عنه، وتكل العقول عن اكتناه معناه، عندما قال عزّ من قائل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، فهذا وصف يفوق كل وصف. ولكن مع هذا لا يجوز أن نحصر الإيمان في شخصه صلى الله عليه وسلم ولا نؤمن ببقية الرسل، لو فعلنا ذلك لكنا قد كفرنا برسالته صلى الله عليه وسلم، لأن رسالته فرضت علينا أن نؤمن بالرسل جميعًا.
فالله تعالى يقول: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136]. فمن هذه الناحية لا نفرّق، هذا مع كون هذا الإيمان النفسي قد يختلف من حيث التفصيل.
فنحن علينا أن نؤمن برسل الله تعالى جميعًا من غير أن نُحَصِّيَهم، لا يلزمنا أن نعرف كل رسول من هو، ما هو اسمه، في أي مكان كان، وإلى من أُرسِل، لا يلزمنا ذلك، وإنما نؤمن بجميع الرسل.
نعم، نبينا صلى الله عليه وسلم فعلينا عليه الصلاة والسلام أن نُشخّصه في الإيمان، بحيث ندرك أنه محمد بن عبد الله رسول الله الذي بعثه الله تعالى إلينا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله». هذا لأننا لا يمكن أن نتبعه صلى الله عليه وسلم، ونحن قد تعبّدنا بشريعته، إلا عندما نُخصِّصه بالإيمان، لابد من أن نعرف هويته عليه أفضل الصلاة والسلام، بحيث لا يكون في مجمل الرسل.
أما الرسل الآخرون فيكفينا أن نؤمن بهم جميعًا، وعلينا بجانب ذلك أن نميّز من ذُكِروا في وحي الله تعالى. هؤلاء الذين ذُكِروا في وحي الله بالنسبة إلى من قرأ القرآن الكريم وعرف معناه، فعليه أن يُشخِّص في الإيمان، بحيث يؤمن بنوح، وهود، وصالح، وشعيب، ويؤمن بإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ويؤمن بموسى، وعيسى، وكذلك بالنسبة إلى أيوب، ويونس، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، كل هؤلاء الذين ذُكِروا في القرآن علينا أن نؤمن بهم جميعًا، بحيث نؤمن بالتمييز ما بينهم: هذا إبراهيم، وهذا إسماعيل، وهذا إسحاق، وهذا يعقوب، وهذا يوسف، وهذا موسى... لابد من ذلك بالنسبة إلى من قامت عليه الحجة.
أما من لم تقم عليه الحجة فيكفيه أن يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم مع إيمانه بمجمل الرسل، هذا أيضًا لابد من أن نلاحظه.
وكذلك بالنسبة إلى كتب الله، علينا أن نؤمن بكل ما أنزل الله تعالى من كتاب، من غير أن نفرّق بين كتاب وكتاب، ولكن يكفينا هذا الإيمان المجمل، أما بالنسبة إلى القرآن فإنه لا بد أن نؤمن بالقرآن إيمانًا خاصًّا، ذلك لأننا متعبّدون باتباع القرآن، ولا يمكننا أن نعمل بمقتضيات القرآن من غير أن نُشخِّصه في الإيمان، هذا علينا أن ندركه، وكذلك بالنسبة إلى ما قامت علينا الحجة بمعرفته من كتب الله.