⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد:
فيقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]. وحمل المفسرون معنى الآية الكريمة على ظن السوء، وهو الظن السيئ الذي يتبعه صاحبه بقول أو فعل، فليس للمسلم أن يسيء الظن في أخيه المسلم، وأن يتهمه بغير دليل، وأن يتعجل إلى إساءة الظن به فيما صدر عنه، بل عليه أن يجتنب الظن السيئ، وأن يحمله على أحسن الوجوه وأفضل المحامل؛ مما يوافق شرع الله تبارك وتعالى.
فهذا الذي يحذرنا منه ربنا تبارك وتعالى؛ يحذرنا من ظن السوء، من الظن السيئ الذي يمكن أن ينشأ في القلوب، ثم بعد ذلك يتبعه صاحبه بقول أو فعل، أو بإلقاء تهمة، أو بدعوى باطلة، أو بأن يخوض في عرض أخيه المسلم، أو بأن يلبس بين الحق والباطل؛ فهذا هو المنهي عنه.
ثم جاء قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ليخرج الظن الحسن، وليخرج ما كان ناشئا عن حذر وتثبت، أو ما كان ناشئا عن دليل وحجة وبرهان، فهذا لا إثم فيه.
إذًا الإثم إنما هو في الظن السيئ الذي –كما تقدم– يظهر أثره على صاحبه؛ ليس مجرد الظن، الخاطرة التي تكون في خلجات النفس، وإنما ما يظهر من أثر هذا الظن السيئ مما تقدمت الإشارة إليه من قذف، أو قدح، أو تثريب، أو قول يسيء، أو انتهاك لعرض مصون، إلى آخر الآثار التي تنشأ عن ظن السوء.
ولذلك هذا التحذير القرآني يشير إلى أن كثيرا من هذه الظنون إنما هي ظنون سيئة، ولذلك قال: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾، ولما كان كذلك: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، فهذا الظن السيئ هو الذي يحقق معنى المراد بأنه إثم إذا كان هذا الظن سيئا واتبع بشيء من الآثار في الأقوال أو الأفعال؛ فإن صاحبه يأثم.
أما إذا كان من ظنون الخير، من الظنون الحسنة، أو كان غير متبوع بأثر، أو كان للحذر والتثبت؛ فهذا لا إثم فيه بإذن الله تعالى، وهو خارج عن هذا التحذير، والله تعالى أعلم.
وهذا يؤكده أيضا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»، فإن المقصود بالظن هنا الظن السيئ أو ظن السوء؛ فإنه باعث على اعتقاد السوء، وعلى مخالفة شرع الله تبارك وتعالى في حقوق الله عز وجل وفي حقوق العباد، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث في آخره: «فإن الظن أكذب الحديث». والله تعالى أعلم.