⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن المقصود بهذه الآية الكريمة، حيث المخاطَبين الذين هم أهل الإيمان، أن يلزموا تقوى الله تبارك وتعالى بما هو له أهلٌ من التقوى، وهذا معنى قوله جل وعلا: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.
فإن طائفة من أهل التفسير يرون أن المقصود ما هو حق واجبٌ لله تبارك وتعالى، وأن قوله جل وعلا في آية التغابن: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ يبين الواجب على المكلَّف، فهذه الآية الكريمة تبين حقَّ الله عز وجل على العباد، ولذلك قال ربنا: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، وآيةُ التغابن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ تبين الواجب على العباد.
والتقوى معلومة، يدور معناها حول اتقاء سخط الله، اجتناب سخط الله تبارك وتعالى، وهذا يكون بأداء ما أَمَر، والكفِّ عما عنه زَجَر، باختصار شديد.
ومن أهل العلم من قال: إن المقصود بحق التقوى – أو حق التُّقاة، والتُّقاة هي اسم مصدر أيضًا فهي في معنى التقوى – إن المقصود بحق التقوى هو ما يتعلَّق بالمعنويات وأفعال القلب من التوحيد الخالص لله تبارك وتعالى، والإخلاص له جل وعلا في العبادة، ونفي الشرك عنه، واجتناب كل ما كان فيه رياء أو نفاق، فما كان متعلقًا بالمعنويات أي بأفعال الباطن، فإن المطلوب فيه هو حق التقوى، وما كان متعلقًا بالجوارح فإن المأمور به هو ما كان في استطاعة المكلفين، ولذلك قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
ومن أهل العلم من لخَّص ذلك بقوله: إن المقصود في الآيتين واحد؛ فإن قوله تبارك وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ إنما هو لبيان معنى حقِّ التقوى، فإن قوله: "ما استطعتم" أي غاية استطاعتكم، كما في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أي غاية ما تستطيعون، وذلك لا يكون إلا ببذل غاية الوُسع في تقوى الله تبارك وتعالى، وهذا يكون بأن تطيعوه ولا تعصوه، وأن تشكروه ولا تكفروه، وأن تذكروه ولا تنسوه، وذُكِر هذا عن طائفة من مفسِّري السلف رضوان الله تعالى عليهم.
ثم قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، والمقصود هو مداومة حال الاستمساك بما أمركم الله تبارك وتعالى به من أمر الدين الذي هو الإسلام اعتقادًا وعملاً واستقامة، فهذا هو المقصود بقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، أي لْزَموا حالةَ استسلامِكم لله تبارك وتعالى، ودخولِكم في الإيمان به وباليوم الآخر، وإتيانِ ما أمر به، والكفِّ عما نهى عنه إلى أن تحين ساعةُ الوفاة.
واستظهر بعض المفسرين أن المداومة على حال الاستقامة والصلاح والإذعان لله تبارك وتعالى تُؤذِن بأن تكون الخاتمة مناسبةً للحال التي يداوم عليها المكلَّف؛ من هذه الآية الكريمة ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، فإن يموت المكلف على هذه الحالة من الاستمساك بدين الله تبارك وتعالى اعتقادًا وعملاً لا يكون إلا بمداومة الحال، والاستمرارِ على الاستمرارِ في التمسك بما أمر الله تبارك وتعالى به.
هذا، والله تعالى أعلم.
ما العلاقة الدلالية بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾؟
علاقة وثيقة؛ فإن المطلوب من المكلف هو التصديق بالاعتقاد الجازم – يقول: "آمنا" – ثم الإذعانُ والاستسلامُ لأمر الله تبارك وتعالى، فحينما ادَّعى الأعراب، كما حكى الله عز وجل عنهم: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾، فكشف الله تبارك وتعالى حالَهم؛ لأنهم كانوا أهل نفاق، فكشف الله تبارك وتعالى حالهم بأن ما يدعونه إنما هو الإتيان بما يُظهِر أنه إيمان – أي تصديق – لكن أعمالَهم تُكذِّب ذلك؛ فهم في ظاهر الحال مُذعِنون، لكنهم أبعد ما يكونون عن التصديق الحقيقي الراسخ في النفوس إيمانًا بالله واليوم الآخر.
ما يُؤخَذ من المعنى المقابل لوصف المنافقين هذا هو لزوم أن يتبع المكلفُ تصديقه – الذي هو معنى الإيمان – بالإذعان والانقياد لله تبارك وتعالى، وهو المعبر عنه بالإسلام.