⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا باب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهْدِنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد:
فقد جاء في آل عمران قول الله تبارك وتعالى: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، وجاء في الحديد: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: 21].
وينبغي لنا أن نفهم معنى العرض هنا، ما معنى ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ أو ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ في الحديد؟ هل العرض هو ما يقابل الطول؟ هذا قول طائفة من المفسرين من علماء السلف، رأوا أن العرض يقصد به ما يقابل الطول، ولأن عرض السماوات –وخص العرض بالذكر– لأنه إن كان العرض بهذا الاتساع فإن الطول في العادة أوسع من العرض، ولا يذكر العرض ولا يذكر الطول؛ إذ قد يكون الموصوف طويلا لكنه غير عريض فيكون ضيقا، ولذلك يخص العرض بالذكر. إذاً القول الأول هو ما يفهمه الناس من معنى العرض الذي يقابل الطول.
وقيل: إن العرض يقصد به السعة، أي الاتساع؛ كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ في قراءة أخرى «ذو العرش المجيد» أي الواسع، وهذا لا يبتعد عن القول الأول؛ فإن أصحاب القول الأول عند التحقيق إنما فسروا المعنى اللغوي بأول ما يتبادر من معاني هذه الكلمة إلى الأذهان، لكنهم عبروا عن السعة في نفس السياق، إذاً فإن المعنى يدور حول الاتساع.
وهناك أقوال أخرى قريبة من هذين القولين؛ يعني من النحويين، وهذا أيضا مِمَّن ذكره الرماني من أوائل المفسرين: أن العرض يقصد به العِوَض، يقال: بيع الثوب بعَرَض، أي بثمن أو عِوَض، فكان العوض عَرَضًا. ونستعمل نحن اليوم مثل هذا الاستعمال، يقال: بكم عُرِضَت السلعة أو كم عَرْضُها أو العَرْض الأول للسلعة، بمعنى البدل أو العوض أو الثمن، لكن المعنى يدور حول الاتساع.
إذا وُصِفَت هذه الجنة التي أُعدَّت للمتقين، وأُعدَّت للذين آمنوا بالله ورسله، وُصِفَت بسعة، لكن هذا مما لا تعلمه البديهة، فشُبِّهت بما هو معلوم بداهة عند الناس، مما يشاهدونه ويدركون بعض معانيه، وهو السماوات والأرض.
في آل عمران أُسقط حرف التشبيه، لكنه متضمن في السياق بدلالة آية الحديد: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، إذن في الموضعين هناك تشبيه. هذا التشبيه أُريد به تقريب معنى سعة الجنة؛ فهي من السعة بحيث يمكن للأذهان أن تتصورها بمشاهدة السماوات والأرض، ولا يعني بحال من الأحوال المطابقة أو المماثلة، وإنما هو للتشبيه لتقريب المعنى بما تفهمه العقول وتتصوره وتُدرك –ولو بعض معالمه– ومشاهدُه وهو عرض السماوات والأرض.
وعلى هذا فَتُحْمَلُ كلمة السماء في آية الحديد: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ على معنى الجنس: جنس السماوات والأرض، وهذا هو الأقرب: أن المقصود بها ما هو معهود من السماء الموصوفة. وهناك –يعني– ذكرت السماوات، والمقصود بها أيضا ما هو معهود في الأذهان في خطاب الله تبارك وتعالى لبني البشر بالسماوات السبع؛ فإما أن يدل على جنس السماء، أو أنه يدل على السماوات السبع، والمؤدى واحد.
ومن المعاصرين –وهو الدكتور فاضل صالح السامرائي– مَن رأى أن في آية الحديد هذا الوصف للسماء التَفَتَ إلى المعنى اللغوي لها، وهو: كلُّ ما علاك، فهذا يدل على أن المشبَّه به أوسع؛ لأنه لا يُحصر في السماوات السبع فقط، في جنس السماء الموجودة، وإنما يصدق على كل ما علاك، فلما كان المشبَّه به أوسع في هذه الآية من آية آل عمران أتى بحرف التشبيه لتأكيد المعنى أنه للتشبيه لا للمماثلة والمطابقة، وأما في آل عمران فإن السماوات تتجه إلى السماوات المعهودة المعلومة لدى المخاطبين، ولذلك لم يحتج إلى ذكر حرف التشبيه أو أداة من أدوات التشبيه، وإنما هي متضمنة، مفهومة من السياق.
والله تعالى أعلم.