⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من الفهم الذي سرى عند الناس، وهو غير صحيح، فإن الوفاء بحق الوالدين حقٌّ لله تبارك وتعالى؛ بمعنى أن الله تبارك وتعالى ألزَمَنا به استقلالًا، فليس هو مُعاوَضةً يستحقها الوالدان إن أحسَنَا وقاما بما أمرهما به ربُّهما تبارك وتعالى، وإنما هو واجبٌ ألزَمَنا الله تعالى به في كل حال.
يكفينا أن ننظر في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: 15] فيما يدعوانك، فيما يُجاهدانك فيه من أجل أن تشرك بالله ما ليس لك به علم، فلا تطعهما، ولكنه فورًا قال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.
فالله تبارك وتعالى أمر بحسن الصحبة للوالدين وإن كانا مشركين، كيف يمكن أن يُظنَّ أن القيام بواجب البر للوالدين، وتوفيةَ الأب حقَّه، إنما يكون مشروطًا بأداء الوالدين –أو الأب أو أحدهما– للحقوق التي عليهما لأولادهما؟ ليس هذا بصحيح بدلالة هذه الآية الكريمة، وبدلالة أن الله تبارك وتعالى أمر في شأن الرَّحِم، في شأن ذوي القربى، بأن يقوم المسلم المكلَّف بتوفية القرابة حقوقَها بقطع النظر عن موقف القرابة.
فالرجل الذي أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول له: إن لي رحمًا أصلُهم ويقطعونني، وأُحسِن إليهم ويُسيئون إليَّ، فقال له عليه الصلاة والسلام: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ المَلَّ»، أي الرماد، «ولا يزال معك من الله تعالى ظهيرٌ عليهم»، في بعض الروايات: «ليس الواصل بالمكافئ». فهذا في شأن عموم القرابة والرَّحِم، فلا شك أن الأمر ألزَمُ وأشدُّ في حقِّ الوالدين.
حتى إن بعض الفقهاء يقول –وهذا مما ينبغي أن يُنتبَه له في تفاصيل، أو في أمثلة هذه الحقوق التي على الأولاد لأبيهم أو لعموم الوالدين–: يقول بأن ما يأمر به الأبُ من المباحات يصير مندوبًا في حق الأولاد، لاجتماع الندب الشرعي إليه، وأمر الوالد أو الوالدين به، وما ينهى عنه الوالدان من المباحات يكون الأب فيه أشدَّ كراهةً، فهو أشد كراهةً في حقهما –في هذه الحالة– في حق الأولاد في هذه الحالة.
فكيف إن كان ما ينهى عنه الوالدان هو مما حرَّم الله تبارك وتعالى؟ فهنا سيكون هذا الولد الذي يخالف أباه، يكون عاصيًا لله تبارك وتعالى، عاقًّا لوالديه.
وحينما بيَّن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكبر الكبائر، قال: «ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، والسحر» –وفي رواية: «والسحر وعقوق الوالدين»–، وكان متكئًا فجلس، ثم قال: «ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور»، حتى قلنا: ليته سكت.
إذ عدَّ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم عقوقَ الوالدين من أكبر الكبائر، وذكر عقوق الوالدين بعد ذكر الإشراك بالله –عياذًا بالله–، من أجل ذلك تنبَّه الفقهاء إلى عظيم حق الوالدين، بالنظر إلى الأدلة الشرعية الآمرة بالإحسان إليهما، وبتوفيتهما حقوقهما، وبالنظر إلى الأدلة الشرعية التي تنهى عن العقوق بهما.
في رواية أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول –وهذه الرواية للإمام مسلم–: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجلُ والديه»، وفي روايات أخرى أيضًا في الصحيحين وغيرهما: «أن يشتم الرجلُ والديه». قالوا: وكيف يشتم الرجلُ والديه؟ قال: «يسبُّ الرجلُ أبا هذا فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمَّه فيسبُّ أمَّه»، أي أن يجلب لنفسه ولوالديه السِّباب والشتائم؛ لأنه تعرَّض بالسبِّ والشتم واللعنة لآباء الآخرين وأمهاتهم، فينهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يقعوا في مثل هذا، وإلا فإنه يكون حينئذٍ قد قارف كبيرةً من كبائر الذنوب، والله تعالى المستعان.