⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هنا الأمر الأول الذي ينبغي أن يُتنبه له هو ما يكون عليه المرء من موقف إزاء الباطل؛ فعلى المسلم المراقِب لله تبارك وتعالى أن يكون في قرار نفسه دومًا منكرًا للباطل، فليس هناك موقف وسط، أو كما ورد في السؤال موقف محايد، حينما يتعلق الأمر بأمر منكر هو من الباطل مما لا يحتمل وجهًا آخر، فهو في مقابل الحق.
ففي هذه الحالة لا بد للمسلم أن يكون له موقف ومبدأ يستند إليه، بأن يستنكر ذلك الباطل، وأن يكرهه، وأن يبغض فاعله، هذا مما لا جدال فيه.
أما كيف يمكن له بعد ذلك أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر، وأن يغير هذا المنكر، فهذا داخل في فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنه في أسرته ومع ذويه وذوي قرباه ورحِمه وجيرانه فإن الأصل أن يكون ساعيًا لما فيه صلاحهم في الحال والمآل في الدنيا والآخرة، وصلاحهم يقتضي أن يبصرهم بالحق، وأن ينهاهم عن المنكر، وأن يرشدهم إلى الصراط المستقيم بالحكمة والموعظة الحسنة: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، وأولى الناس بذلك خاصته وأهل بيته وقرابته.
فما معنى ولايته عليهم إن كان يخشى أو يخاف من أن ينكر عليهم باطلًا، أو أن ينبههم من غفلتهم، أو أن يرشدهم عما هم فيه من فساد؟ فاستمراء الصمت والسكوت على الباطل يورث المرءَ غفلة تحول بينه وبين اتخاذ ذلك الموقف الذي تحدثنا عنه بدايةً.
فينبغي له أن يطرح أيضًا الأوهام والوساوس من الخشية من العواقب؛ فإن النصيحة إذا خرجت من قلبٍ محب، بألفاظٍ حسنةٍ مختارة، فإنها بإذن الله تبارك وتعالى تُحدث أثرها، ولو لم تُحدث أثرها لدى المتلقي، فإنها تُبرئ له ذمته عند الله تبارك وتعالى، وتُبقي أود هذه الأسرة، وتبقي أود المجتمع.
فأما البحث كما تقدم فيما يتعلق بالوسيلة، فالأصل في الوسيلة أن تكون مبنية على الدفع بالتي هي أحسن: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34] ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، وأن تكون بالكلمة الطيبة: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: 24]، وأن تكون بأحسن القول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، و﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53].
لكن هذا لا يعني أيضًا أن يُداهن في أمر الدين، أو أن يُجامِل على حساب القيم والأخلاق والثوابت، وأن يسعى إلى أن ينال حظوة عند المتلقين؛ لأن غايته رضا الله تبارك وتعالى.
فالمبدأ العام والأصل الذي يُحتكم إليه في إنكار المنكر وفي تغييره هو ما تقدم.
وقد يستدعي الأمر وضعًا آخر، لا سيما إن كانت له ولاية عليهم: كأن يكون أبًا، أو زوجًا مع امرأته، أو أن يكون أحد الوالدين مع أولاده، أو أن يكون أخًا أكبر، أو أن يكون أخًا؛ فكل هؤلاء لا حرج عليهم، طالما أننا نتحدث عن منكر، لا نتحدث هنا عن شيء من اللَّمَم، أو مما فيه خلاف بين أهل العلم، أو مما يحتمل وجهًا من الوجوه المقبولة شرعًا، وإنما نتحدث عن منكر، نتحدث عن باطل، نتحدث عن فساد محض والعياذ بالله.
والله تعالى أعلم.