⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ينبغي لنا أن ننظر أولًا في من يثير هذه الشبهات: إلى ما يستند، هل يستند إلى أسس علمية؟ هل يستند إلى دين؟ هل يستند إلى قيم خلقية؟ هل يستند إلى نظام أو قانون هو أفضل وأحسن؟ إذ أننا ننساق وراء الرد على هذه الشبهات ببيان الحالات والأحوال والأسباب والحِكَم والمقاصد دون أن ننتبه إلى أن الذي يثير هذه الشبهات إنما يثيرها عداوة أو حَسَدًا لهذا الدين وأهله، نعم، لا يبتغي الحقيقة ولا يريد التعرف على الصواب ولا يقبل الحجج إذا أظهرت له، فهذا مما ينبغي أن يُنتبه له، نعم، وهو خالٍ من الأسس العلمية المنصفة ومن القيم والأخلاق التي يرتكز إليها، ومن النظم التشريعية التي تراعي أحوال هذا الإنسان في جسده وروحه وعاطفته وفي حقوقه وواجباته وفي كونه فردًا في مجتمع وفي أمة، وله عليهم حقوق ولهم عليه حقوق، هذا كله غائب عنهم، ثم ينتقم بعد ذلك من هذا الدين الشامخ بمثل هذه الشبهات.
إذًا لا بد أن ننتبه أولًا إلى هذا التأصيل، وهذا لا يمنع من أن نبيّن بعض الحقائق، وأن نُجْلي ما يدفع هذه الأباطيل والشبهات التي يثيرها خصوم الإسلام، وإن تستروا بلبوس الإسلام، أو اقتنعوا بمثل هذه الدعاوى والأباطيل.
فمن ذلك: أنه لا يمكن أن يقول عاقل بأنه سيحكم على نظام تشريعي باستلّ مادة واحدة فيه دون أن ينظر إلى ما في هذا النظام التشريعي من مواده وقواعده ومبادئه؛ فلا يمكن – وإلا عُدَّ سفيهًا أو مجنونًا – أن حكم على قانون وضعي فاستلَّ مادةً منه وقال: هذه المادة خطأ لأنها تقول كذا وكذا، في حين أن مواد ونصوص ذلك التشريع تُبَيِّن المقصود، وتبين التعريفات والحدود والضوابط والشروط وتكمل الأحكام، نعم، المادة؛ فلا يمكن أن يُحكم على ذلك النظام التشريعي بأن يُنتقى ويُجزّأ مادة واحدة منه؛ هذا غير مقبول، وهذا هو الذي يحصل.
ذلك أن في فلسفة التشريع الإسلامي الدية ليست قيمةً للإنسان، نعم، ولا تقوم على أساس مادي؛ فإن هذا الإنسان في نظر الخالق الحكيم سبحانه وتعالى مُكرَّم، واستخلف في هذه الأرض، وسخَّر له ما في السماوات والأرض، فلا يمكن أن يُقام بأموال وأثمان إن فاتت نفسه، وإنما هو تعويض لجَبْر أحوال أوليائه من بعده، ولِنَهْي النفوس المريضة التي يمكن أن تستسهل العُدوان على النفس البشرية، ولإرساء نظام عام، وإلا فهي أبعد ما تكون عن تثمين لهذا الإنسان، نعم؛ فإن كانوا هم ينطلقون من أن هذه قيمة للإنسان فهذا مَفْرَق عظيم بيننا وبينهم؛ هذه ليست قيمة للإنسان، ليست ثمنًا لهذا الإنسان لا للرجل ولا للمرأة؛ فهذا الإنسان هو أعظم مخلوقات الله تبارك وتعالى وأعلاها كرامة، وهو الذي حمل الأمانة، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يُثَمَّن.
فلأن كانت نظرتهم ناشئة عما تقدم، فنعم يسوغ لهم أن يقولوا: إن ثمن فوات نفس المرأة لماذا يكون أرخص من ثمن فوات نفس الرجل، وهما نفس واحدة، نعم، لهم أن يقولوا ذلك لأنهم ينطلقون من هذا المبدأ، نعم. أما في هذا الدين الحنيف، فكما تقدم: هذه الديات سواء كانت للأنفس أو للجوارح والأعضاء هي ليست أثمانًا أو قِيَمًا لهذه الأنفس أو للأعضاء والجوارح، نعم، وعلى هذا فإن التفاوت فيها لا دلالة له، ليست له معانٍ مادية حتى يُحتَجَّ علينا بذلك.
هذا أولًا.
ثانيًا: معلوم أن في أحكام هذه الشريعة فإن هناك أعباء مالية يُلْزَم بها الرجل ولا تُلْزَم بها المرأة، نعم؛ فالرجل هو المسؤول عن الإنفاق، هو المسؤول عن العاقلة – أي في حالة حصول قتل خطأ – نعم، فالرجل هو الذي يَعْقِل، والمرأة لا تَعْقِل؛ هم الذين عَصَبَةُ الرجل، هم الذين يدفعون، والمرأة لا تدفع، نعم؛ الرجل هو المسؤول عن الإنفاق عن أهل بيته، فيمكن أن يكون له زوجة ينفق عليها، وولد ينفق عليه، ويمكن أن يكون أيضًا عنده والدان كبيران يلزم شرعًا أن ينفق عليهما، وأما المرأة فإن ما تحصل عليه فإنه يكون حقًّا خالصًا لها، نعم.
وعلى أن – وهذا أيضًا من العجائب في هذه القضية – هذا التعويض لا يذهب إلى من فاتت نفسه، نعم، صحيح: إن كان في فوات النفس سيذهب إلى الورثة، وفي الورثة نساء، نعم، وسواء كان القتيل الذي تُدفع ديته رجلًا أو امرأة فإن هذا التعويض يذهب إلى الورثة، نعم. في حالة ما دون النفس فإنه يذهب إلى المضرور، إلى من وقع عليه الضرر، من أُصيب؛ ولكنه – كما تقدم – ليس تثمِينًا لهذه الأعضاء والجوارح، وإنما هو منطلق من هذه الأسس التشريعية المتكاملة: أن الرجل مسؤول عن الإنفاق، وأن عليه أعباء مالية لم تُلْزَم بها المرأة، وفي حين أن المرأة تتصرف في مالها كيف شاءت، فمِلْكُها لأموالها لا يُشرك معها أحد، أما الرجل فإن ما يملكه من مال إنما يذهب لعياله وأهل بيته وللنفقات الواجبة عليه، نعم.
فهذه خلاصة مجملة في بيان كيفية الرد على هذه الشبهات.
والله تعالى أعلم.