⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، في قوله تبارك وتعالى في سورة الرحمن: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: 72]، وقد كان السؤال حول السبب في ذكر الخيام دون البيوت أو القصور مما يمكن أن يكون متوقعًا في الجنات التي وعد الله تبارك وتعالى بها عباده المتقين، وهذا سؤال وجيه.
بيّنت سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن هذه الخيام هي من لؤلؤٍ مُجوَّف، من لؤلؤٍ مجوَّف، ولكن يبقى السؤال قائمًا.
أولًا: غريب الآية الكريمة –وإن كان لم يُسأل عنها– المفردات الغريبة فيها إذا أشكل على الناس بعض معاني المفردات؛ فإن الحور جمع حوراء، وهو وصف أُخذ من حَوَر العين، وهو اتّساعها مع شدة بياضها وسواد سوادها، لكنه لا يقتصر على هذا الوصف، إنما هو علامة على غاية الحُسن، وأن من تُوصَف بذلك إنما هي فائقة الجمال والحُسن، واختير من أوصافها وصفٌ يتعلق بوصف عين، لكن لا يعني أنها إذا كانت حوراء العين ولكنها في سائر صفاتها وخصائصها أبعد ما تكون عن الحسن والجمال أن يقال إنها حوراء بهذا الوصف الكُلِّي، قد يُقال: حوراء العين فقط، لكن الحاصل أن الحور هو جمع لحوراء، وحوراء هي من بلغت الغاية وفاقت في الحسن.
ومقصورات: أي محفوظات مستورات، فالقَصْر هنا بمعنى السِّتر والصَّون والحفظ؛ فهُنَّ لسن في حاجة إلى أن يَخدِمن أنفسهن، ولا أن يَخدِمن غيرهن، بل إنهن مصونات، تُلبَّى لهن طلباتهن، تُجاب أوامرهن، ما عليهن إلا أن يأمُرن فيُستجاب، لسن في حاجة إلى الخروج، هذه الصورة تذكرها لنا هذه الآية الكريمة.
ثم قال: في الخيام، والخيام معروفة، جمع خيمة.
وقلت بأن السؤال الذي بُحِث عنه –وليس معنى الآية الكريمة، ولذلك قلت بالأمس بأن الوقت لا يكفي– هو: يسأل عن سبب اختيار هذه الكلمة؛ وذلك لأن المتبادر أن الخيام في الغالب –وهذا من معانيها في اللغة– من معنى الخيمة في اللغة أنها من وبر أو شعر، لكن هذا ليس بمطّرد حتى من حيث المعنى اللغوي، وهنا مَكمَن الجواب؛ فإن البيت في العربية يُسمّى خيمة حتى ولو كان من أعواد، أي من خشب، أو كان من بناء.
يعني الفراء نصّ على ذلك: أن البيت، أن الخيمة تُصدَق على البيت وإن كان من بناء، وهو من أوائل من تعرّض لمفردات القرآن الكريم؛ فإذا ما حُبِس هذا المعنى يزول الإشكال إذا عُلِم بأن الخيام يُصدَق على البيوت، على القصور وإن كانت مبنية، فلا يلزم أن تكون من وبر أو من شعر حتى يُقال بأنها خيمة، وأن السياق هو الذي يُنوِّع هذه الخيام؛ ولذلك ورد في الحديث أنها خيام من لؤلؤٍ مجوَّف، وهناك روايات كثيرة تدور حول نفس المعنى.
لو استُعمِل وصف آخر في كتاب الله عز وجل، أي سُمِّي المكان باسم آخر كـ"البيوت" أو "القصور"، لما ناسبه أن يكون ذلك بمثل هذا الوصف الذي بيّنته الآية الكريمة، وبيّنته سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنها من لؤلؤٍ مجوَّف، وقد ذُكر اتّساعها بأن أهل الجنة فيها أن لهم فيها أهلين، وأنهم لا يرى بعضهم بعضًا في طرفيها، هذا من حيث سَعَتها.
لكن هناك معنى آخر يتعلق باختيار هذه الكلمة، وهو أن الخيام يُؤخَذ منها الإقامة؛ ولذلك يقال: خَيَّم في المكان، أي أقام في المكان أو أقام بالمكان، وهذا استعمال لا يزال الناس إلى يومنا هذا يستعملون "التخييم" بمعنى الإقامة في المكان، هذا المعنى أيضًا ملحوظ في الآية الكريمة؛ فوصف الله تبارك وتعالى الجِنان التي أعدّها لعباده المتقين، وذكر ما فيها، وذكر منها: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾، فَكَأنّهن في محل إقامته، لا يرتحلن، ينتظرن أصحابهن.
فلذلك ناسب لهذين المعنيين: أي لما تقدّم من أن الخيام تُصدَق على البناء ولو كان من غير الوبر والشعر، ولذلك ناسب أن يُقال بأنها خيام؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن أنها من اللآلئ والياقوت، ثم للحظ هذا المعنى، وهو الإقامة في المكان.
والله تعالى أعلم.