مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

حكم البنوك الإسلامية

ما تعليقكم على من يشنع على الفقهاء في تجويزهم التعامل مع البنوك الإسلامية بدعوى أن نتيجتها كالبنوك الربوية وتكاليفها أعلى وأن معاملاتِها مبنية على أقوال فقهية مرجوحة؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وقائد الغر المحجلين سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فأيها الصائمون المصلون، أحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وما أسعدها من لحظات أن نجتمع فيها سويا في هذا البيت العامر من بيوت الله التي أذن الله تعالى أن ترفع ويذكر فيها اسمه، نسأل الله تعالى أن يتقبل منا جميعا الصيام والقيام وصالح وسائر أعمال البر، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أما فيما يتعلق بالسؤال المطروح هنا، فالظاهر أن السائل بنى سؤاله على ثلاثة أمور: أولها: أن هناك تشابها في الأثر والنتيجة، مما يجعل تشابها في الأثر والنتيجة بين البنوك الملتزمة بفقه المعاملات الإسلامية وبين البنوك التقليدية، وهذا التشابه في الأثر والنتيجة استنبط منه السائل تشابها في الحكم بين كلا المؤسستين: المؤسسة المصرفية الملتزمة بفقه المعاملات المالية، وبين المؤسسة المصرفية التقليدية. والأمر الثاني الذي استنبط منه السائل حرمة التعامل مع البنوك الإسلامية: أن تكاليفها أكثر من تكاليف البنوك التقليدية. ومعنى ذلك أن البنوك التقليدية قد تكلف الإنسان –في حال التمول لبناء منزل مثلا– قد تكلفه 100000، إلا أنه يجدها في البنوك الإسلامية تزيد على ذلك، ولنقل إنها 105000 مثلا، فاستنبط من هذا الاختلاف في الكلفة أن البنوك الإسلامية محرمة، لأنها تتشابه مع تلك، بل إنها تزيد في كلفتها على البنوك التقليدية. والأمر الثالث الذي قال به السائل، والذي استنبط منه –فيما يظهر من سؤاله هذا– حرمة التعامل مع البنوك الإسلامية: أنها مبنية على أقوال مرجوحة في الفقه الإسلامي، لذلك تكون محرمة على هذا الاستنباط الذي رآه السائل. والواقع أن هذا الاستدلال الذي سلكه السائل لم يوفق فيه إلى الصواب –فيما يظهر– بل إنه أبعد النجعة في بعض استدلالاته، وذلك أن النقطة الأولى التي بناها على التشابه في الأثر والنتيجة بين البنوك الإسلامية وغيرها، هذه النقطة غير ملتفت إليها في الشريعة كلها، فضلا عن فقه المعاملات المالية. وذلك أن البنوك التقليدية –كما تعلمون– هي قائمة على عقد واحد، لا تمارس في التمويل إلا عقدا واحدا، وهو عقد الإقراض، وهذا الأمر قد نص عليه المصرفيون أنفسهم، كما نص عليه أئمة القانون الذين يشرعون لهذه البنوك؛ فقد قال الدكتور عبد الرزاق السنهوري في «الوسيط» الذي هو قرآن أهل القانون في شرح القانون المدني: نص على أن البنوك يتلخص عملها في الاقتراض والإقراض، وفائدتها إنما هي من هذا العقد فقط. وارجعوا إلى الكتاب المذكور، وستجدون ذلك، وفي غيره من كتب المصرفية التقليدية. إلا أننا حينما نأتي إلى البنوك الإسلامية فإننا نجد الحالة مختلفة، لأنها لا يمكن أن تقوم على عقد الإقراض، ولو قامت البنوك الإسلامية على عقد الإقراض لما جاز لها أن تأخذ 100 بيسة على عقد تقوم به، وذلك يستلزم أن لا تقوم لها قائمة، وهو بخلاف الواقع الذي نراه. أما الاستدلال بأن النتيجة واحدة، فالإنسان قد يتمول بعقد ربوي، وتكون نسبة التمويل مثلا 6% –كما هو شائع كثيرا– وقد يتمول لبيت أيضا من بنك إسلامي بالنسبة نفسها بنسبة 6% على أصل العقد الذي يقوم مع البنك؛ النتيجة واحدة: هذا يدفع كذا وهذا يدفع كذا، بل قد يدفع في البنوك الإسلامية أكثر. هذا التشابه الشكلي في الأثر والنتيجة بين العقدين لا يمكن أن يستنبط منه تشابه في الحكم الشرعي بينهما. وخذوا لذلك مثالين أختصر عليهما: أولهما عقد الزواج، وثانيهما التذكية الشرعية. في عقد الزواج: تصوروا أن هناك حالتين؛ الحالة الأولى منهما بين رجل وامرأة قامت علاقة معينة وفق شروط شرعية معينة، فالولي حاضر، وهو قد أذن بالزواج، والرضا متحقق، والمهر معلوم، هذه علاقة بين ذكر وأنثى ببساطة شرعية وبأسلوب شرعي، استنبط منه أن الأولاد الذين ينتجون من هذه العلاقة إنما هم أولاد شرعيون، يترتب لهم كل ما يترتب على عقد الزواج الشرعي من نسب وميراث وغير ذلك. وهناك علاقة أخرى قامت بين رجل وامرأة، اجتمعا وأتيا بأولاد أيضا، إلا أن هذا الإتيان بالأولاد ما كان نتيجة عقد شرعي، نتيجة عقد الزواج، بل تصوروا في هذه الحالة الثانية أن ولي الأمر يعلم أن ابنته تمارس علاقة معينة مع شاب، يعيشان شأنا معا، وجاءا بأولاد. المسألة واحدة من حيث التصرف الظاهر بين هذين، والنتيجة متماثلة كما ترون: هنا أولاد وهنا أولاد، إلا أننا في العقد الأول اشترطنا شكلا معينا لتمام هذا العقد، وهذا ما يسميه أهل القانون «العقود الشكلية» التي يشترط لتمامها شكل معين. فالشرع يشترط لتمام عقد الزواج شكلا معينا: أن يكون برضا معين، بشروط خاصة، وهي شكلية لا تؤثر على ذات عقد الزواج؛ فهذا الشكل المعين جعلنا نحكم على هؤلاء الأولاد بأنهم أبناء شرعيون، بأنهم يستحقون الميراث، بأنهم ينتسبون إلى أبيهم، بأنهم يكونون بقية أفراد الأسرة أقاربه منهم، إلى آخر الآثار الشرعية. أما هؤلاء –مع كون العقدين متماثلين في الظاهر– هؤلاء هم أبناء زنا، أبوهما وأمهما مستحق للحد الشرعي: إما بالرجم إن كانا محصنين، وإما بالجلد إن كانا غير محصنين، ليس لهما ميراث ولا نسب؛ لأن الزنا لا يثبت نسبا شرعيا. انظروا إلى الفرق بين الأمرين، مع أننا كلا المعاملتين متماثلة: هذه تشبه تلك، إلا أن الشرع فرق بينهما لِشَكْلٍ في المعاملة الأولى فقط؛ لذلك قلنا هذا زنا محرم، وهذا عقد زواج، نسأل الله تعالى أن يوفقهم ويبارك لهم فيه. الأمر الثاني: التذكية أو الذبح. أنت إن أتيت بشاتين مثلا وطبختهما الطبخ نفسه، وأعددت منهما وليمة بالمقادير نفسها، أتان متماثلتان والطبخ واحد، وجعلت هذه في وليمة معينة، وهذه في وليمة أخرى بالمقادير نفسها وبالأوصاف نفسها، الشرع يقول لك: إن كانت إحداهما الشاتين لم يذكر اسم الله تعالى عليها فإنها ميتة، وهي لا تحل، مع أن ذكر لفظ الجلالة عليها شيء شكلي من حيث الظاهر، لم يغير في النتيجة والأثر شيئا؛ فكلا الطبخين لهما المواصفات نفسها، إلا أننا نقول: إن هذا الطبخ محرم، وهو ميتة، ولا يجوز للناس أن يأكلوه، وهذا الذي يماثله في الشكل ولا يختلف عنه في شيء هو حلال مباح، يأكله أصحابه هنيئا مريئا، لا حرج عليه من الناحية الشرعية، ولا فرق بينهما إلا في شكل واحد، هو أن هذا قد ذكر اسم الله تعالى عليه فلذلك هو طيب، وهذا لم يذكر اسم الله عليه، لأنه –أي: لأنه حرام–، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]. لذلك فهذا الاستنباط الذي استنبطه السائل لم يوفق فيه، لأن الشريعة قد تنظر إلى الأشكال ولا تنظر إلى النتيجة، فقد تتشابه النتيجة إلا أن الشكل مختلف، لذلك فالمعاملات تكون محرمة مع أن كلا الأمرين قد تكون نتيجتهما واحدة، وهذا الأمر واقع؛ إذ لا يمكننا أن نحرم البنوك الإسلامية لمجرد أن آثارها واحدة مع البنوك غير الإسلامية لهذين المثالين، وبإمكانكم أن تستنبطوا أمثلة كثيرة في الشريعة كلها تقرر هذا الحكم. أما الأمر الثاني الذي بناه السائل ليدلل على حرمة التعامل مع البنوك الإسلامية، فهو أن تكلفتها أكبر من تكلفة البنوك التقليدية، لذلك استنبط هو هذا التحريم من هذا الاستدلال. ولكن نقول له أيضا: إنك لم توفق تمام التوفيق –على ما يظهر في هذا–؛ فالتكلفة في الشريعة –لمن قرأ فقه المعاملات المالية– لا يمكن أن تعد سببا للتحريم، وذلك أن العقود في الشريعة –كما تعلمون– إنما هي مبنية على التراضي؛ فإن تحقق التراضي، أن التقت الإرادتان: إرادة الموجب وإرادة القابل، أن التقتا على ثمن معين، كان ذلك الأمر جائزا. والتسعير الجبري الذي قد يكون من ولي الأمر هذا لا دخل له، هذا استثنائي، الأصل عدم جوازه، والمسألة مبنية في الرضا على تلاقي الإرادتين، وكما يقول أهل الاقتصاد، أهل التحليل الاقتصادي: بأن السعر دائما يتحدد بتقاطع منحنى الطلب ومنحنى العرض، وهذا التقاطع هو الذي يحدد لي على المحور السيني الكميات المطلوبة، كما أنه على المحور الصادي –الأفقي– يحدد لي السعر الذي يتحدد بتلاقي هاتين الإرادتين؛ إذاً السعر نفسه ليس سببا للتحريم، وإنما هو –كما يقول الفقهاء– يتحدد بتلاقي الإرادتين، وتتحدد الكميات المشتراة أو المستأجرة إن كانت خدمة من الخدمات. على أن البنوك الإسلامية من حيث الواقع –لمن درسها وعرف مقتضيات عقودها– سيعلم جليا أن غرمها وأن تكاليفها أكثر من البنوك التقليدية، فلذلك من السائغ أن تكون أرباحها أكثر. كيف ذلك؟ البنوك التقليدية –كما قلنا– قائمة على الإقراض بفائدة، فهي لا تعلم شيئا عن السلعة ولا تضمنها، ولا تحدد مواصفاتها، ولا تضمن العيب الذي فيها، كل ما فيها: أنني أقرض 10000 ريال على أن تردها لي 15000. ماذا يحدث للسلعة؟ كيف تخزن السلعة؟ ما العيوب التي تصيبها؟ نحن لا نسأل عن ذلك، هذا هو المنطق الذي تقوم عليه البنوك القائمة على مبدأ الفائدة. أما البنوك الإسلامية فلا تقوم على هذا المبدأ، وخذوا أمثلة على ذلك: أولها: عقد الإجارة المنتهية بالتمليك، وهذا عقد، والذي يسمى في عرف القانونيين والمصرفيين «الليز». هذا عقد يقوم على مبدأ أنني أريد أن أشتري بيتا، إلا أن البنك ماذا يفعل؟ يحتفظ بملكية ذلك البيت له، البنك الإسلامي يحتفظ بملكية ذلك البيت له، ويؤجر لي البيت نظير أقساط قد تكون أكثر من الإيجار المعتاد، وبعدها في الأخير بعد أن أدفع كل الأقساط للبنك نأتي بعقد آخر ناقل للملكية؛ لأن عقد الإجارة في الشريعة الإسلامية غير ناقل للملكية، وإنما هو ناقل للمنفعة فقط، وأنا أريد في عقد التمول بالإيجار المنتهي بالتمليك أريده عقدا ناقلا للملكية، لذلك يتفقون على بيع بعد ذلك، ينقلون به الملكية من البنك إلى الشخص المتمول الذي يريد شراء هذا البيت. هذا عقد تمارسه البنوك التقليدية كما أنه تمارسه البنوك الإسلامية، وانظروا إلى الفرق بين العقدين عند كلا المؤسستين. في البنوك التقليدية: أولا، تتعامل البنوك التقليدية على أنها تعطي هذا الإنسان مبلغا من المال، وعلى أنه يدفع أجرة، إلا أن هذه الأجرة تخرج عن البنوك التقليدية مسائل عدة: أولها: صيانة العين المؤجرة في عقد الإجارة المنتهية بالتمليك. في البنوك التقليدية لا يلتزمون بصيانة العين. نحن في الفقه وفي القانون أيضا الصيانة قسمان –كما تعلمون– للأعيان المؤجرة: أولُهما صيانة استعمال، والصيانة الاستعمالية تكون للأمور التي تتلف باستعمال المستأجر كالمصابيح ونحوها، فهذه صيانتها على المستأجر، ولا إشكال في هذا. هنالك صيانة أصلية، وهي القسم الثاني من الصيانة، وهذه الصيانة الأصلية هي التي تتعلق بالعين المستأجرة نفسها: كأن يسقط جدار فيها، كان يحدث خلل في سقفها، كان تصيبها جائحة تذهب بها كلها؛ هذه الصيانة في الفقه الإسلامي وفي القانون أيضا هي على المؤجر، على صاحب العين نفسها، لذلك هو الذي يصونها. إن جئنا إلى عقد الإجارة المنتهية بالتمليك في البنوك التقليدية سنجد أنهم لا يتحملون أي نوع من أنواع الصيانة هذه، في حين أن البنوك الإسلامية يلزمها فقه المعاملات –وهو الذي عليه البنوك الإسلامية كلها– يلزمها بأن تكون الصيانة عليها؛ بمعنى لو تلفت العين المستأجرة، أصابتها جائحة معينة، لزم أن يكون هنالك إصلاح أصلي في تلك العين. في هذه الحالة لو كان العقد مع بنك ربوي فإن البنك الربوي لا يُسأل عن تلك الصيانة، ولا يطالب بها قانونا، أما في البنك الإسلامي ففقه المعاملات المالية يحتم عليه أن تكون تلك الصيانة عليه؛ لأنه هو المالك للعين، والشخص الآخر المتمول ما هو إلا مستأجر، والمستأجر لا يلتزم بالصيانة الأصلية كما يقرر ذلك فقه المعاملات المالية. إذاً هذا فرق: البنوك الإسلامية هنا تتكلف شيئا لا تتكلفه البنوك التقليدية. نقطة ثانية في هذا العقد نفسه قبل أن نغادره: البنوك التقليدية في عقد «الليز» هذا تأخذ الأجرة بمجرد التعاقد بينها وبين العميل، في حين أن البنوك الإسلامية لا يصح لها شرعا –وبهذا تفتي كل الهيئات الشرعية التي أعلمها– تقول: بأنه لا يجوز لهم أن يأخذوا أجرة على الشخص المستأجر في هذا العقد إلا بعد أن يتحقق له انتفاع حقيقي من هذه العين. تصوروا أن العين ما زالت بناء هيكلا، ولا يصح للمستأجر أن ينتفع منها، كانت تكون غير مكتملة؛ البنك التقليدي يأخذون عليه أجرة، في حين أن البنوك الإسلامية لا يجوز لهم أن يأخذوا عليه أجرة، وهذا الذي تفتي به الهيئات الشرعية. إذاً هنا فرق، مع أن فترة البناء قد تمتد عاما كاملا، من يستفيد منها؟ تستفيد منها البنوك التقليدية، لأن عقودها قائمة على الإقراض بالربا، أما البنوك الإسلامية فقائدها التمويل، وهذه الإجارة التمويلية لا يمكنهم أن يأخذوا عليها 100 بيسة إلا أن كانت هنالك منفعة حقيقية ترجع على الشخص المستأجر، وبدون في ذلك لا يصلح هذا العقد. عقد آخر: وهو المشاركة المنتهية بالتمليك؛ فالمتمول –على حسب تعليمات البنك المركزي معنا هنا في عمان– يجب عليه أن يدفع 20% من قيمة العين التي يريد أن يشتريها، والبنك الإسلامي يدفع 80% من قيمة العين، هذا أقل ما يمكن، لأن هناك تعليمات غير راجعة إلى البنوك الإسلامية، وإنما هي راجعة إلى الجهة المنظمة، إلى الجهة التي ترعى القطاع المصرفي كله. هنا في المشاركة المنتهية بالتمليك نقول: إن البنك يمتلك 80% في أول العقد، وإن العميل يمتلك 20% في أول العقد، وهذا أمر واضح. طيب، ملكيته لـ80% تحتم عليه أن يكون غرمُه –إن كانت هناك غرامة على هذه العين– أن تكون غرمَه بمقدار 80%، وأما العميل فلا يغرم إلا 20%. لو أن العين تلفت في هذه الحال، والعميل يملك 20%، والبنك يملك 80%، أصابتها جائحة –الأنواء التي مرت علينا، أو غيرها– المهم أنها أصابتها جائحة فأتلفتها؛ العميل هنا لا يخسر إلا 20% فقط، في حين أن البنك الإسلامي يخسر 80%. ولو كان هذا العقد نفسه عقد تمويل لبناء بيت في البنوك التقليدية لخسر العميل 100% من قيمة هذه العين، وهذا أمر متقرر وواضح جدا. لذلك فخسارة التقليدي: حينما تأتيه تريد أن تشتري سيارة معينة بأقساط معينة، ماذا تفعل شركة التمويل التقليدي؟ هي تدفع عنك للوكالة مباشرة، ولا تشتري هذه السلعة ولا تدخل في ضمانها؛ فتدفع عنك هناك 5000 لترد أنت إليها 7000 مقسطة لخمس سنوات أو غير ذلك، في حين أن العقد حينما يكون في شركة تمويل إسلامي أو في بنك إسلامي يختلف بالكلية عن هذا التمويل، وذلك أن شركة التمويل الإسلامي تلتزم بشراء السلعة أولا، فهي تشتريها وتدخلها في ملكها، ثم إنها بعد ذلك تبيعها لك بثمن آخر كما يفعل التجار، فالتاجر يشتري بثمن أقل ليبيع بثمن أعلى، فيأخذ الفرق بين الثمنين، وشركات التمويل الإسلامي قائمة على هذا. والسلعة في شركة التمويل التقليدي هي من ضمانك أنت أيها العميل؛ لو بعد ما عقدتم مع الوكالة جاءت جائحة وأتلفت هذه السيارة مثلا فإن شركة التمويل لا تتحمل 100 بيسة، وإنما أنت العميل هو من يتحمل هذا التلف، وهكذا تأمينها؛ التأمين، عقد التأمين إنما تتحمله أنت. أما شركة التمويل الإسلامي أو البنك الإسلامي فيختلف عن ذلك؛ قبل أن تقبض أنت السلعة، وبعد أن يشتريها البنك من الوكالة الأصلية، في هذه الفترة أو في هذه المدة من الزمان، السيارة من ضمان شركة التمويل الإسلامية؛ فلو تلفت أنت لن تخسر 100 بيسة، ومن الذي سيخسر؟ ستخسر شركة التمويل الإسلامي، وهذا فرق كبير جدا؛ فقد تغرم شركة التمويل الإسلامي ما يزيد على 10000، في حين أن البنك التقليدي لا يمكن أن تتوجه إليه الخسارة بأي حال، وهذا فرق جوهري بين المعاملتين، وما ذلك إلا لأنهم في هذا العقد إنما يتعاملون بقاعدة فقهية مستقرة، وهي أن «الخراج بالضمان»، وهذه القاعدة تتنافى كل المنافاة مع الربا، فبينهما 180 درجة من حيث العقد، فالعقد الربوي يختلف عن عقد قاعدة «الخراج بالضمان» بالتنافر الكلي بينهما، فلا جامع بينهما، وهذا يدلكم على أن هناك فرقا حقيقيا بين المعاملتين. على أنك أيضا إذا جئت إلى خطابات الضمان، وإلى الاعتمادات المستندية، أنت أردت سلعة معينة من سوق دولية، ولنفرض أنها سلعة يعني ثمنها باهظ جدا، وتأتي من هناك عبر البواخر؛ لو أن هذه السلعة اختلفت في الاعتماد المستندي، لو أن هذه السلعة في الاعتماد المستندي الذي يكون غير مغطى بالكامل –لأن الاعتماد المستندي ثلاثة أقسام كما تعلمون– لو أنها تلفت في البحر، وغرقت الباخرة مثلا، في هذه الحالة في التعاون مع البنوك الإسلامية غرم تلك السلع كلها عليها، على الإسلامية، هي تغرم، لأنك لم تقبضها، ولم تنتقل إلى ملكيتك، فأنت غير ضامن لها، في حين أن هذا الاعتماد المستندي نفسه لو كان لبنك تقليدي فإن البنك التقليدي لا يضمن شيئا، وإنما الغرامة كلها تكون على من؟ تكون على صاحب السلعة نفسه، وهذا فرق جوهري. نعم، قد يقول بعضكم: إن السلع هنا وهناك تؤَمَّن، وشركة التأمين هي من يتكفل بهذا الأمر. أقول لكم: إن البنوك الإسلامية قائمة على التأمين التكافلي، وليس على التأمين التجاري، وهذا فرق جوهري خامس أو سادس –لا أدري– بين المعاملتين، وذلك أن التأمين التعاوني قائم على أنه إن وجدت هنالك مبالغ فسيعيش مبالغ في الصندوق، فلن يُعطى تعويضا. إذاً هذا أيضا فرق بين البنوك الإسلامية وبين غيرها من البنوك، يحتم علينا أن نقول بأن التكلفة ليست واحدة في هاتين المؤسستين. بطاقات الإقراض –هي «الكريديت كارد»، بطاقات الائتمانية– هذه البنوك الإسلامية تمنحها –والبنوك الإسلامية معنا هنا في عمان تمنحها– ولكنها بطاقات قائمة على الإقراض، لذلك فالبنوك الإسلامية لا تستطيع أن تأخذ في مقابلها 100 بيسة، لأنها تعد هذا العقد عقدا يحسن به إلى العميل، وإلا فهي لا تربح منها شيئا، في حين أن هذه البطاقات –بطاقات الإقراض– في البنوك التقليدية تأخذ عليها مباشرة بمجرد التعاقد 6% على كل سحبة، هذا غير موجود في البنوك الإسلامية، البنوك الإسلامية لا تربح مثل ما تربح تلك. فوق هذا كله: المدين في البنوك التقليدية إن تأخر عن الدين، فإنه إن تأخر عن الوفاء في وقته، فإنه مباشرة يُلزَم بغرامات تأخير، هي الغرامات الربوية؛ لأن المدين لا يجوز لمجرد تأخره أن يزاد في دينه: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. البنوك الإسلامية لا تفعل هذا الأمر، بل المدينون عندها قسمان، عند البنوك الإسلامية المدينون قسمان: القسم الأول من المدينين: هم المدينون المعسر، ومعسر غير قادر، أصابه ما أصابه، فجعله معسرا غير قادر على أن يفي بالمبالغ التي عليه؛ فهذا عندنا نص شرعي يبين لنا حكمه، لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]، فيجب على كل دائن –إن كان المدين معسرا– أن يمهله، ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وهذا الأمر واضح، فلا يجوز لها أن تأخذ أي زيادة عليه إن كان المدين معسرا. وإن كان المدين غير معسر، بل كان مماطلا، إلا أنه لا يفي البنكَ الإسلاميَّ بالدين الذي عليه، وهنا البنوك الإسلامية تدخل في عقد قال به جمع من الفقهاء المتقدمين، بل له نصوص في فقه علمائنا، والنصوص جلية وواضحة، بينتُ بعضها في كتاب «الوجيز». هذه النصوص تقول: بأن من التزم بشيء فإنه يجبر بأن ينفذ ذلك الالتزام، خاصة إن كان ذلك الالتزام يؤدي إلى وقوع ضرر بالطرف الآخر. بنوك الإسلامية ماذا تفعل؟ لكل عميل يأتيها تقول له: في حالة الإعسار أنت معذور، وعليك أن تثبت إعسارك؛ فعبء إثبات الإعسار دائما يقع على المدين، وهذا لا إشكال فيه من الناحية الشرعية. أما إن كنت مماطلا، جحدت الأموال ولا تدفعها، فإنه يجب عليك أن توقع من أول العقد التزاما بالتبرع للفقراء مقداره كذا وكذا إن تأخرت في الوفاء وكنت مماطلا؛ أي التزام يوقع: بأنني ألتزم بأن أدفع مبلغا مقداره كذا وكذا للفقراء إن تأخرت في الوفاء بما علي من دين للبنك الإسلامي. وهذا يسميه الفقهاء السابقون «الالتزام بالتبرع»، وقد نصوا على جوازه؛ فهذا يلزم نفسه شيئا، وفي القاعدة الفقهية التي قال الإمام جابر رحمه الله تعالى، يقول: «من ألزم نفسه شيئا ألزمناه إياه». فهذا يلتزم في نفسه بأنني إن تأخرت عن الوفاء بديني لك أيها البنك الإسلامي فإنني سأتبرع للفقراء. وانظروا إلى هذا الفرق بين هذه الغرامة وبين الغرامة التي تُفرض في البنوك التقليدية؛ فالغرامة التي تُفرض في البنوك التقليدية هي مباشرة تصب في ميزانية البنك التقليدي، وأرباحها كلها إنما هي من هذا الجانب، فالسحب على المكشوف وغيره من المعاملات هي كلها تصب في هذا الجانب، الذي هو ربا في عرف الشريعة، أما في البنك الإسلامي فيلتزم بالتبرع لِمَن؟ لجهة خيرية، يكون هنالك صندوق معين يُعد للأعمال الخيرية، فيتَبَرَّع لأجل إلزامه، وإلا فإن هناك كثيرين من الناس هم سيئو النية، لا يريدون الدفع، يقولون: إن البنوك الإسلامية لا يجوز لها أن تأخذ الغرامات، فنحن نسعى إلى أن نخسرها بهذا الجانب، وإلى أن نربح؛ هي لا تستطيع أن تغرم شيئا، فجاؤوا بهذا الأمر، وهو أصل… لا أقول إنه متفق عليه، ولكن قال به جمع من الفقهاء المتقدمين الذين لم توجد لديهم مثل هذه المشكلات، فكيف بها والمشكلات كثيرة في زماننا. إلا أن البنك الإسلامي لا يستفيد منها 100 بيسة، هذه الغرامات لا يستفيد منها 100 بيسة، بل هي ستذهب للفقراء وللأعمال الخيرية التي لا يستفيد منها البنك شيئا على الإطلاق؛ ولذلك هنالك فرق جوهري بين هذه الغرامة في البنوك الإسلامية والغرامة في البنوك التقليدية؛ لأن الغرامة في البنوك التقليدية إنما هي تصب في ميزانيتها، وأما الغرامة في البنوك الإسلامية فلا تصب في ميزانيتها، وإنما هي تصب في مصالح الفقراء. وعندنا هذا التزام؛ لو أن إنسانا أقسم بالله أنه سيعطي الفقراء مبلغا من المال، فإننا نقول: يجب عليك شرعا أن تعطيهم، وإلا كنت آثما بعدم إعطائهم، لأنك التزمت بدفع هذا المبلغ. لذلك انظروا إلى هذا الفرق الجوهري بين العقدين في البنوك الإسلامية وفي غيرها، ومن هنا لا نقول إن التكلفة واحدة بين المعاملتين، بل بينهما بون شاسع وجلي واضح يمكن للإنسان أن يصل إليه إن كان متخصصا في شؤونها؛ إن كان الإنسان غير متخصص في شؤونها، لم يدرسها من الجانبين: المصرفي والشرعي، فلا يمكنه أن يصل إلى مثل هذه الدقائق. وهنا يقال –تصدق الحكمة–: من تكلَّم في غير فنه أتى بالعجائب. لذلك لا بد من أن ننتبه إلى هذا الأمر. كون البنوك الإسلامية الآن تفرض أسعارا عالية، كما قلت لكم، هذا أمر التسعير لا يرجع إلى الأفراد في الفقه الإسلامي؛ النبي صلى الله عليه وسلم –في حديث أنس– جاءه الناس في عام سنة، في عام شدة وقعت، وقالوا له: يا رسول الله، سعر لنا. فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو القابض الباسط الرزاق»، وفي رواية صحيحة: «المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بظلمة، ولكن اسألوا الله» –أي: اسألوا الله– «رخص الأسعار». الأسعار ارتفعت هنا بسبب طبيعي، وهو لقلة المعروضات؛ دائما السعر يرتفع إما لقلة المعروض، أو لكثرة الطلب، فبينهما علاقة طردية مع الطلب، وعلاقة عكسية مع العرض؛ لذلك كلما زاد العرض قلت الأسعار، وكلما زاد الطلب ارتفعت الأسعار، وهذه قوانين اقتصادية؛ كما أنها تتحقق معنا هنا في عمان تتحقق أيضا في مكة، تتحقق في تل أبيب، تتحقق في روسيا، تتحقق في واشنطن، في كل المذاهب الاقتصادية: الرأسمالية وغيرها، كلها هذه قوانين اقتصادية لا تختلف؛ كلما زاد العرض قل السعر، وكلما زاد الطلب ارتفع السعر. لذلك صلى الله عليه وسلم قال لهم: بأني لا أملك شيئا؛ لأنه لو خفض السعر في هذا الجانب لأدى إلى خسارة العارضين، ولربح المشترين وحدهم، ولا يجوز؛ لماذا يخسر هؤلاء في مقابل أن يربح أولئك؟ نعم، إن كان ارتفاع الأسعار مفتعَلاً، وليس له ما يسوغه اقتصادا، ولا شرعا، ولا اجتماعا، فهنا نقول: إن على الحاكم أن ينظر في هذه القضية، وإن على الجهات المسؤولة، المخولة من طرف ولي الأمر، أن تنظر في القضية، وأن تراعي المصلحتين: مصلحة المشترين –مصلحة المستهلكين– ومصلحة العارضين أيضا؛ لأننا مضطرون إلى العارضين، ولا نريدهم أن يخرجوا من سوق التعامل، كما أننا نريد أن تكون هنالك مصلحة للمستهلكين. إذاً: أمر التسعير هو أمر يرجع –في حال الضرورة– كما بيَّن ذلك فقهاؤنا، ولابن بركة في هذا السياق في أمر التسعير كلام حسن جدا في الجزء الثاني من «الجامع» لمن شاء أن يراجعه. وبذلك نقول: إن أمر التسعير دائما غير راجع إلى الجهة… أنا التاجر دائما أريد الربح، والمشتري دائما يريد أيضا مصلحته، لذلك هذا الالتقاء هو الذي سيحدد الكميات والأسعار، وإن كان هنالك ظرف خارجي فتحدد الجهات المسؤولة –رعايةً لمصلحة الطرفين– والله تعالى أعلم. لذلك لا بد من أن نتبين هذا الأمر. أما النقطة الثالثة التي ذكرت في السؤال، وهي أن كثيرا من معاملات البنوك الإسلامية إنما هي مبنية على آراء مرجوحة في الفقه الإسلامي؛ أولا أقول للسائل: هي مرجوحة عند مَن؟ هي مسألة رأي من حيث الأصل، ومسائل الرأي لا يجوز الإنكار فيها، هذه قاعدة معلومة ومعروفة، هذا أمر. الأمر الثاني: قالوا: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان؛ فما قد يكون راجحا في السابق قد يكون مرجوحا في زماننا، والظروف الحالية لا تعين عليه، ولا يمكن تحقيق مقاصد الشارع مع الأخذ بالقول الراجح في السابق وتركه، وأخذ المرجوح في هذا الزمان. هذا أمر يطرد، المعروف، وله أمثلة كثيرة، تُنظَر في الكتب التي عالجت هذه القضية، وهي: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان». عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه –كما تعلمون– منع المؤلفة قلوبهم الزكاة. لماذا منعهم؟ قال: لأن الإسلام أصبح قويا، فاسم الإسلام هو تأليف للقلب دون أن يكون هنالك إعطاء للمال. ولكننا في زماننا قد لا يُؤخذ بهذا الاجتهاد؛ لأن الزمان قد تغير، ورجعنا إلى حالة ضعف؛ نريد أن نؤلِّف كبار الإعلاميين، نريد أن نؤلف كبار الصحفيين ونحوهم، فقد يُعطى هؤلاء لأجل أن يتألف، فتكون كتاباتهم في مصلحة الإسلام، ويعطَون من الزكاة. إذاً هنا تغير في الأحكام لا يُنكَر مع تغير الأزمان والظروف. على أنني رأيت –لا أدري يعني عن السؤال وعن حيثياته– لكنني رأيت سؤالا يعني تداوله الناس، ووصل لي، تكون من أربع صفحات، سئل فيه سماحة الشيخ عن بعض معاملات البنوك الإسلامية، ولكنني أختلف مع السائل في ذلك العرض الذي عرضه؛ فما كان منصفا في عرضه هذا، بل كان متشوفا للتحريم من أول كلمة كتبها في سؤاله. أين الإنصاف؟ هو قال بأن البنوك الإسلامية تأخذ نظير الأجل زيادة في الثمن، وحكى عن «الدُّوَيْلِية» من فرق الشيعة، وحكى عن الشوكاني –وأصله كما تعلمون زيدي– حكى عنهم بأن هذا الأمر غير جائز. يعني من العجب أن يكون الإنسان غير منصف؛ هذا الأمر أكثر الفقهاء على جوازه، وما خالف فيه إلا «الهدوية» الذين هم –كما قلت– من الزيدية، وما خالف فيه إلا الشوكاني من المتقدمين، وعلماؤنا ينص، نصوصهم واضحة: أنه قد يكون هنالك حظ للزمن؛ بمعنى أننا نتفق معك: إن كنت ستدفع لي ثمن هذه السيارة الآن فأنا أبيعها لك بـ5000، أما إن كنت ستقسط لي على مدار خمس سنوات فأنا أبيعها لك بـ7000، ونتفق على واحدة من الحالتين، هذا الأمر فقهاؤنا ينص على جوازه، فقهاء المذاهب الأربعة ينصون على جوازه، المجامع الفقهية الآن –والتي تحوي الخبراء، وتحوي الفقهاء والمجتهدين– هي على جوازه؛ فلماذا ألجأ إلى قول شاذ، وبعد ذلك أحرِّم على الناس شيئا؟ فضلا عن أن المسألة مسألة رأي. الإنسان حينما يعرض سؤالا على مفتٍ أو على مسؤول إنما يجيب المسؤول دائما بقدر السؤال، وفي القاعدة الفقهية عند الأحناف يقولون: بأن السؤال متضمن في الجواب، وما ذلك إلا لأن الجواب يفصل على مقدار السؤال. هذا السائل بنى هذا الأمر على هذه القضية، ثم إنه شدد في العبارة، وشدّد… يعني لا يلزم؛ لماذا هذا كله؟ لماذا هذه العداوة لهذا المولود الناشئ؟ نعم، قد تكون غير مكتملة بسبب الظروف، وبسبب حداثتها، لكن هل نقضي على كل جديد؟ لماذا لا نكون مساهمين بيد خير لإصلاحها ونجاحها؟ أو نود أن يبقى الربا الخالص –إن كنت ترى هذا غير جائز– أو نود أن يبقى الربا الخالص، المجمع عليه بين الفقهاء كلهم؟ لا يصلح هذا الأمر. علينا أن نكون إيجابيين في تعاملنا مع هذه القضايا؛ نعم ناقشها، ولا حرج، لكن أن تحرم على الناس، وأن تشتد في العبارة، وأن تنسف من أصلها، أظن أن في هذا شيئا من التجني، وأن في هذا شيئا من عدم المبالاة بحقوق الآخرين، وأن في هذا شيئا من عدم العدالة في التعامل مع الآخرين. لذلك هذه القضية –قضية الآراء المرجوحة والراجح– الأصل فيها –كما قلت– يتعامل بالقواعد الثلاثة التي ذكرتها، ثم إنه لا بد من أن يكون الشخص الذي يتعامل معها متخصصا في ذلك الشأن؛ قد يكون هنالك إنسان متخصص في فقه الأسرة مثلا، ثم إنه بمجرد تخصصه في فقه الأسرة ولم يقرأ شيئا في فقه المصرفية المعاصرة فهذا من العسير عليه أن يتكلم فيها. فأنت –وكما قلت دائما– حينما تريد أن تعالج شيئا في بطنك، حينما تريد أن تجري عملية معينة، فإنك لن تذهب إلى محامٍ لأجل أن يجري لك تلك العملية، وإنما ستذهب إلى المتخصص، إلى الطبيب العارف، ولن تذهب إلى طبيب الأذن ليعالج بطنك، بل ستذهب إلى طبيب متخصص في الأمراض الباطنية. وهكذا حينما تريد أن تعمِّر دارا، تريد أن تبني بيتا، فإنك لن تذهب إلى طبيب لأجل أن يَهندس لك البيت، لا بد من أن تذهب إلى متخصص في ذلك الجانب حتى يبني لك بيتا، وعلينا أن نتعامل مع القضايا العلمية: المصرفية وغيرها، أن نتعامل بهذا التعامل؛ حتى نكون منصفين لآخر، لا أن نهدم من أساسها لمجرد أنه ظهرت لنا أن نتيجة هذه كنتيجة تلك؛ بل علينا أن نكون منصفين في أنفسنا بأن ندرسها دراسة حقَّة، بأن ندرسها بمصطلحاتها، بآراء الفقهاء فيها، بأقوال المصرفيين أنفسهم من غير الشرعيين، وبعد ذلك ننطلق لبيان الحكم الشرعي. ومن درسها حق الدراسة، وعرف ظروف زمانه، فلا شك بأنه سيذهب إلى جوازها، وحسبنا أن جوازها هو المتقرر عند فقهائنا كلهم، وهكذا عند المجامع الفقهية التي تحوي الذين يعكفون ليل نهار على إصلاحها، وعلى تخليصها من كل الشوائب؛ قد تكون هنالك شوائب، لا أنكر ذلك، قد يكون هنالك مخالفات لبعض الموظفين؛ موظف لا يدرك أبعاد المعاملة الإسلامية يتعاقد عقدا لا يدل على أن النظام المصرفي الإسلامي كله يُقِرُّه، ولكنه بسبب خطأ فردي لا يمكنني أن ألغي النظام كله. أنت إن وجدت الآن شخصا يتعامل مع الآخرين معاملة سيئة، هذا الخطأ الفردي منه، هل يحملك على أن تقول إن الإسلام كله سيئ بمجرد أن هذا معاملته سيئة؟ لا، ذلك ليس من العدل في شيء، بل هو الظلم نفسه. وهكذا في المصرفية الإسلامية: إن تعامل بنك واحد، أو موظف واحد، بالخطأ، فعليك أن تسعى إلى الهيئة الشرعية، إلى المراقب الشرعي، وسيصلح ذلك الخطأ بإذن الله، وقد تكون أنت غير متصور للصواب فيصلح لك تصورك لهذه القضية. على كل، هذا ما يتعلق بأمر البنوك الإسلامية، ولا أدري هل أطلت كثيرا أو لا، ولست بذلك… على كل، لا يفهم من كلامي هذا أنني أسوِّق لها، حاشى لله، وإنما هو انتصار للصواب؛ فلست موظفا فيها، ولا غير ذلك، أنا موظف في جهة محايدة ليست لهذه وليست لتلك، فليست لي مصلحة في أن تزدهر، ولكنني أريد أن تُفعَّل المعاملات الشرعية، المعاملات الإسلامية، على الأقل إن كنت ترى فيها –يعني– شبهة، هي فيها شبهة، ولكنها محتملة للصواب، وهي خير بألف مرة من شيء مجمع على أنه محرم. والله تعالى أعلم.
👤ماجد بن محمد الكندي
📅 ٦‏/٩‏/٢٠١٣👁 14 مشاهدة
🎬

جلسة فتوى لعام 1434 للشيخ الدكتور ماجد الكندي

الأعمال المحرمة والمباحةالتعامل مع المؤسسات الماليةمسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

حكم البنوك الإسلامية

17 👁

هل يحرم التعامل مع البنوك الإسلامية لأنها تشبه البنوك التقليدية في الأثر والنتيجة، وتكلفتها أعلى، ومعاملاتها مبنية على أقوال فقهية مرجوحة؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٢٢‏/٨‏/٢٠١٣

حكم البنوك الإسلامية

2 👁

هل تعتبر البنوك الإسلامية ربوية مثل غيرها من البنوك؟

👤ماجد بن محمد الكندي
١‏/١١‏/٢٠١٦

حكم البنوك الإسلامية

2 👁

ما القول في من يشكك في البنوك الإسلامية ويقول إنها مثل البنوك الربوية وأن فوائدها أكثر؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٢٦‏/٩‏/٢٠٢٢

الطعن في البنوك الإسلامية

15 👁

ما حكم من لا يشجع البنوك الإسلامية ويقول إنها ربوية بدون علم؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
١٧‏/٧‏/٢٠١٤

حكم البنوك الإسلامية

15 👁

يشكك كثير من الناس في البنوك الإسلامية ويقولون إنها كالبنوك الربوية وإنما الفرق في الأسماء وأن فوائدها أحيانًا أكثر، فهل هي إسلامية بحق، وما الفرق بينها وبين البنوك الربوية؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٢‏/١٠‏/٢٠٢٣

حكم التعامل مع البنوك الإسلامية

2 👁

هل يجوز شرعاً شراء بيت عن طريق البنوك الإسلامية والتمويل الذي تقدمه؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٩‏/٦‏/٢٠١٧