⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى لا يُتعبَّد بالجهل، وإنما يُتعبَّد بالعلم، فطاعة العبد لله سبحانه إنما تكون بعلم وبصيرة، وإلا كانت هذه الطاعة هباءً منثورًا.
ومن المعلوم أن الله سبحانه فرض على عباده عندما يكونون جاهلين بالأمر ألا يُقدِموا عليه إلا بعد السؤال عنه، ولما كان الأمر كذلك فإن هذا السائل لا بد من أن يسأل من يجيبه، وهذا يعني أن الله سبحانه فرض على العلماء أن يعلِّموا الجهلة قبل أن يفرض على الجهلة أن يعلِّموا العلماء.
فالله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه من أجل تعليم هؤلاء الجهلة، وقد بيَّن سبحانه وتعالى نعمته على عباده بإرساله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم ليعلمهم ويزكيهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]، ويقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: 2].
والنبي صلى الله عليه وسلم كان بشرًا كسائر البشر من هذه الناحية، فقد كان أمده في هذه الحياة أمدًا محدودًا، وهذه المهمة انتقلت من بعده إلى عاتق العلماء الذين هم بصراء بدين الله، فعليهم أن يعلِّموا الناس، وعليهم أن يجيبوا على أسئلتهم.
الله سبحانه وتعالى بيَّن في كتابه أنه أخذ ميثاق الذين أوتوا الكتاب بأن يبيِّنوا ما علَّمهم الله، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187]، وهذا الميثاق ينطبق على هذه الأمة، فعلى علماء هذه الأمة أن يبيِّنوا للناس ما أنزل الله سبحانه وتعالى عليهم من الخير والرحمة بواسطة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن ينفوا عن ذلك تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، كما قال صلوات الله وسلامه عليه: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ».
هؤلاء هم الهداة والقادة للناس، يُرشدونهم في أمر دينهم، ويُبصِّرونهم بما يجب عليهم فعله، وبما يجب عليهم تركه، ويميِّزون لهم الحلال من الحرام، ويفرِّقون لهم بين الحق والباطل، هؤلاء مطالبون بطبيعة الحال أن يجيبوا على أسئلة الناس، فلذلك كان على من منحه الله تعالى العلم أن يتصدَّى للإجابة على هذه الأسئلة.
ولكن مع هذا كلِّه أيضًا، مما يجب ألا يُغفل عنه أن الله تعالى لا يكلِّف نفسًا إلا ما آتاها، ولا يكلِّف نفسًا إلا وُسعها، فلا يتحمَّل الإنسان ما لا يطيق، وهناك واجبات متعددة، هذه الواجبات لا بد من أن تُقسَّم، ويُقسَّم لها الوقت، حتى يؤدِّي الإنسان لكل واجب منها حقَّه، ويُعطي كلَّ شيء ما يستحق.
فالنفس لها حق، والأهل لهم حق، وكذلك الأولاد لهم حق، والمجتمع له حق، فلكلٍّ حقه، فعلى العالم أن يكون بصيرًا بهذه الأمور، فهو مطالب بأن يريح نفسه بحيث لا يحمِّلها ما لا تطيق، فإن المنبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، ونفس الإنسان مطيَّته فعليه أن يُشفِق بها، فالمنبت لا أرضًا قطع ولا أبقى ظهرًا.
وربما عندما يحاول الإنسان أن ينظِّم وقته، وأن يعطي نفسه قسطًا من الراحة، يتمكَّن من أداء الحقوق التي عليه أكثر فأكثر، ويتمكَّن من استمرار أداء رسالته في جميع الزمن الذي تبقَّى له في هذه الحياة، بخلاف ما إذا كلَّف نفسه عنتها وحمَّلها مشقَّة، فإنه بإجهاد نفسه يقطع هذه النفس عن مواصلة هذا الدرب، والله تعالى المستعان.