⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فإن مكانة المرأة في الإسلام مكانة عظيمة، وهي معلومة لا تحتاج إلى بيان وشرح، فإن الإسلام قد كرّم هذه المرأة وأعلى من منزلتها ورفع من قدرها، وجعلها كما تفضّلتم في الخطاب التكليفي مساوية للرجال، ورفع من إنسانيتها التي كانت مهدورة في الحضارات والأمم السابقة، وجعل من العفّة والعفاف والحشمة والنزاهة والطهر عناوين أساسية في حياة المرأة؛ لأن مدار قوام المجتمعات إنما يكون بهذه العناوين الرئيسة، فلا تستقيم حياة الأسر والمجتمعات إلا بالعفّة والنزاهة والحشمة والوقار والطهارة والنقاء. هذه هي التي تورث العباد العزّة والشرف والرفعة، وهي التي يمكن أن تحقق للأفراد رجالاً ونساءً ما ينشدون من حضارة ومن تقدم، وهي التي تستقيم بها عبادة بني البشر رجالاً ونساءً، فلا تستقيم عبادتهم إن لم تقم على أسس متينة من ثوابت الأخلاق والقيم والمبادئ الرفيعة.
ونحن نعلم جميعاً أن أحكام هذا الدين جاءت لتخاطب الرجال والنساء، وأن من صميم ما بُعث به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يعلّمنا الكتاب والحكمة، وأن يزكّي النفوس، وأن يخرج الناس من ضلالهم المبين الذي كانوا عليه، يقول جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]. فلذلك هذه الدعوة وهذه الرسالة التي جاء بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأُمر بتبليغها هي دعوة علم، وهذا العلم لا يقتصر على الرجال دون النساء، بدليل هذه الآية الكريمة، ولأن الخطابات التي نجدها في الكتاب الكريم مما أشرتم إليه: يا بني آدم، يا أيها الناس، ومن الخطاب للإنسان، هي بلا جدال عند أهل العلم من المفسرين والفقهاء وسائر المشتغلين بعلوم الشريعة تشمل الرجال والنساء، ولا تخص جنساً دون آخر أو نوعاً دون غيره، وإنما هي أوامر وأحكام وتعليمات وآداب وإرشادات تخص الجنسين، تخص الذكور كما تخص الإناث.
فقول الله سبحانه وتعالى في أول ما أُنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وما بيّنه القرآن العظيم من منزلة العلم والعلماء، وما امتدح به أهل العلم، وما بيّن من مزيته على غيره ممن لم يتحلَّ بالعلم، وما يورثهم ذلك من خشية الله عز وجل، ومن تذكّره ومراقبته، ومن التبتّل إليه سبحانه وتعالى بحسن العبادة وحسن الدعاء، هذا مما يشترك فيه الرجال والنساء.
وكذا حينما نتأمل في سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت بأقواله وأفعاله وتقريراته، كانت جميعاً مؤكِّدة أهمية العلم للجنسين للرجال وللنساء. فحينما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي رواه الإمام الربيع من طريق أنس بن مالك: «اطلبوا العلم ولو بالصين»، وحينما يقول: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، فإن هذا لا يقتصر على الرجال دون النساء.
فإنه قد أمر بتعليم أولاد المسلمين من الصبيان ومن الفتيات، كما أنه هو بنفسه عليه أفضل الصلاة والسلام قد أذن لزوجته حفصة أن تتعلم الكتابة والقراءة، وكانت المرأة التي علمتها ذلك هي الشفاء بنت عبد الله، وهذه حادثة مشهورة، وكان ذلك بإقرار من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونجد أن خطاب الله سبحانه وتعالى في بعض المواضع يوجَّه إلى بعض النساء اللاتي خصّهن الله عز وجل بمنزلة رفيعة؛ لأنهن كنَّ تحت سقف بيت النبوة، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما نجده في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: 34]، فالخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم.
ولذلك جواباً مباشراً على سؤالكم الذي تفضلتم به: فإن عبارة أن النساء كنَّ وراء الرجال هي عبارة متجوَّز فيها، فإن النساء هن أمهات الرجال من العلماء والعظماء والقادة والحكام والأدباء والفقهاء وغيرهم، وهن بأنفسهن أيضاً كنَّ عالمات، وكنَّ فقيهات ومفسِّرات، وكنَّ مراجع لغيرهن من الرجال ولبني جنسهن من النساء أيضاً، وكنَّ معلمات لغيرهن في مختلف ميادين العلوم والمعرفة.
أما الذي حصل مما أشرتم إليه من أن ألقاباً بعينها استأثر بها الرجال، فإن هذا يمكن أن يُفهم مع أن هذه الألقاب، يعني لقب الحافظ والحجة والثقة وغيرها، في الحقيقة هي ليست مما اختصَّ به الرجال، وهذا مما لا يعرفه كثير من أبناء المسلمين اليوم، ويظنون أنها ألقاب كما قلتم استأثر بها الرجال، بينما لو قلّبوا صفحات كتب التراجم والأعلام من الرجال والنساء لوجدوا أن كثيراً من هذه الألقاب توصف به كثير من النساء أيضاً، حتى نحن في تاريخنا العماني وجدنا أن من النساء من وُصفت بصفات لم يوصف بها الرجال.
إنه لا بد لي من تكملة في هذه القضية؛ فهذا التغييب جزءٌ منه يعود إلى الواقع، جزءٌ منه يرجع إلى أسباب لعلكم أشرتم إليها في المقدمة، أن هناك غلبة عددية للرجال المشتغلين بهذه العلوم على حساب أو في مقابل اشتغال النساء، وذلك يُفهم ـ دون اجتزاء ـ أولاً لما نعلمه جميعاً من دور المرأة الأساسي في هذه الحياة؛ فدورها التربية وتنشئة الأجيال وإعداد رجال المستقبل، وهو دور لا يمكن أن يُستهان به؛ لأنه دائماً كان صنع الحضارة إنما يقوم على سواعد الشباب والرجال الذين يتربَّون تربية صالحة، ويتعلمون ويتأدبون بآداب وأخلاق رفيعة وقيم عالية، وهذا لا يمكن إلا أن يكون في محضن يتصف بالعلم، وهذا المحضن أساسه الأم، أساسه الزوجة، أساسه المرأة.
فلذلك نحن نفهم غياب الغياب العددي للنساء أو قلّة حضور النساء في علوم الشريعة ـ ولا ننفي حضورهن كما تقدم، لا من حيث الخطاب الشرعي ولا من حيث الحصول والوقوع، فقد وُجد ذلك عبر مختلف مراحل تاريخ هذه الأمة ـ وإنما لأننا ننسى أحياناً أن للمرأة دوراً كبيراً في المهمة الأساسية المنوط بها، وهي مسؤولية التربية وتنشئة الأجيال.
كما أننا أيضاً لا بد أن نتذكر في هذا السياق أن ما حصل من فترات وُجد فيها شيء من التراجع في تاريخ هذه الأمة كان الإخفاق فيه عاماً، كان التراجع فيه عاماً شمل الرجال والنساء، إلا أن تأثر النساء بذلك كان أكثر؛ والسبب وجود بعض الأعراف والعادات والتقاليد التي غلبت في هذه المراحل من الجهل والتأخر على أحكام هذا الدين، وعلى ما ورد في كتاب الله عز وجل وفي سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا لا يمكن أن يُنكر، فأدَّى ذلك إلى ضعف التحصيل العلمي للمرأة، وبالتالي ضعف نتاج ما تقوم به المرأة من دور في تربية الأجيال وصناعة رجال الغد، هذا وُجد أيضاً.