⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولاً منزلة السيدة عائشة؛ فهي أحبّ نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وهي ابنة أحبِّ الرجال إليه، فهي الصدّيقة بنت الصدّيق. وهي التي تزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وظلّت معه من العمر والسنوات ما لم تحظَ به غيرها من نسائه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وهي التي برّأها الله عز وجل في كتابه الكريم بجملة آيات يتلوها المسلمون جميعاً في صلواتهم وفي خلواتهم وفيما يقرؤون من آيات الكتاب العزيز، مما رماها به المنافقون.
وهي أيضاً رضوان الله تعالى عليها الفقيهة التي تعلّمت وحرصت كل الحرص على أن تتلقّى من رسول الله صلى الله عليه وسلم لشدّة حبها، ولأنها نشأت في بيت أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه، وهي أيضاً السيدة الجليلة التي خُطبت ضمن نساء النبي بهذا الخطاب العظيم الذي أشرنا إليه فيما مضى في قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾… ثم جاء بيان العلّة فيما تقدَّم من أحكام شرعية في هذه الآيات من سورة الأحزاب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وحُمِّلن هذه الأمانة: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾.
فلا غروَ أن تنال السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها هذه المنزلة الرفيعة، وأن تحظى بهذه المعارف والعلوم، وأن تكون موئلاً لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرجعون إليها فيما يَشكُل عليهم، يستفتونها، فتنقل إليهم علوم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، تفسِّر لهم كتاب الله عز وجل، وتنقل لهم أحاديثه عليه أفضل الصلاة والسلام القولية والفعلية والتقريرية.
هي التي حظيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرعاية والحَدَب؛ حتى وهي صغيرة كانت تلعب، لما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى معها بعض الألعاب فسألها عنها وهي لا زالت تلعب مع بعض الفتيات، فقالت له: هذه أفراس، فرأى فيها فرساً فيها أجنحة، فقال لها صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، فرس فيها خيل؟! فهي تعجّبت، فقالت: أولم تسمع بخيل سليمان بن داود، فكان لها فرس كان لها أجنحة.
وهي التي أيضاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأذن لها في أن تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في مسجده الشريف بحرابهم، فأذِن لها وهو يسترها عنهم حتى مَلَّت وسئِمت فدخل بعد ذلك صلى الله عليه وسلم. وهي التي كان يضاحكها ويلاعبها ويسابقها صلى الله عليه وسلم، ممّا يعكس المنزلة الرفيعة التي تبوّأتها السيدة عائشة في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، ويعكس أيضاً كيف قدَّرت السيدة عائشة هذه المنزلة التي تبوّأت، فحملت هذه الأمانة خير ما يمكن أن تُحمَل به أمانة العلم وأمانة بيت النبوة.
فنقلت تلك العلوم والمعارف، وكانت ـ كما قلتُ ـ الموئل لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسألونها عن خصوص حياته عليه أفضل الصلاة والسلام كما يسألونها عن تدبير الأمة وأحكام هذا الدين؛ فلم تكن علومها ولم يكن عطاؤها مقتصراً على جوانب دون أخرى، أو في مجالات فقهية دون أخرى، أو في نوع من أنواع العلوم دون غيره.
ولهذا أيضاً كان عطاؤها ممتدّاً فيما يتصل بالطب النبوي، أو ما يُعرَف بالطب النبوي، لكثرة ما كان يشتكي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تراه يتداوى ويُوصَف له من الأدوية ومن العلاجات التي يتلقّاها عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وهي التي أيضاً برعت في الأنساب؛ لأنها من بيت أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه النسّابة النحرير في أنساب العرب، وفي علومٍ فيما تلقّاه من صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام.
كل هذه الخصائص اجتمعت في السيدة الجليلة عائشة رضوان الله تعالى عليها، كما اجتمعت أيضاً في نساء النبي صلى الله عليه وسلم الأخريات، إلا أنه لهذه الأسباب التي ذكرناها كان حظُّها أكثر من غيرها، وكان ما نالته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أوفر من غيرها من نسائه عليه أفضل الصلاة والسلام.