⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الحقيقة أن الناس بين إفراط وتفريط في هذا الموضوع؛ فمنهم من لا يرى جواز أن يُخرج في الدعاء عما هو ثابت في كتاب الله عز وجل من الأذكار، وعما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدعية وأذكار، ويشدد على الناس غاية التشديد.
ومنهم –في المقابل– من يتوسع، فيُخرج أيضًا عن حدود ما جاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نجده في كتاب الله عز وجل من معانٍ معتبرة شرعًا، فيأتي بألفاظ –سواء كان فيما يُخاطِب به ربه تبارك وتعالى من أسماء حُسنى، ومن صفاتٍ عُليا، أو من حيث ألفاظ الدعاء وبعض المعاني الواردة في الدعاء– فيتسع توسعًا يبتعد، ويُبعِد النُّجعة في الحقيقة عن المعقول فضلًا عن المأثور كما قلت في السنة الصحيحة الثابتة أو في كتاب الله عز وجل.
ولا ريب أن خير الأمور الوسط، وفيما ورد من أذكار في كتاب الله عز وجل على لسان الأنبياء والمرسلين وعلى لسان الصالحين، وفيما ورد وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيةٌ للمؤمن الداعي حينما يتوجه إلى ربه تبارك وتعالى بكل ما يريد من خيري الدنيا والآخرة.
إلا أن ذلك لا يمنعه من أن يتوسع فيسأل ربه ما شاء، وفي كل وقتٍ يحتاج فيه إلى أن يطلب من ربه شيئًا من الأمور، إلا أنه حينما يتوسع ينبغي له أيضًا ألا يبالغ؛ فإن الله سبحانه وتعالى حينما أمرنا بالدعاء قال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، إنه لا يحب المعتدين، وكأنَّه حتى في الدعاء يمكن أن يكون هناك تعدٍّ.
ونحن الآن نسمع بعض ألفاظ الأدعية المأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أن بعض الناس –للأسف الشديد– يظن أن لا كفاية فيما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتجد أنه يزيد عليه ألفاظًا من عنده.
قل على سبيل المثال –ونحن في هذه الليالي المباركة الليالي العشر من هذا الشهر الفضيل– دعاءٌ الذي علَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحدى زوجاته حينما سألته: أرأيت إن قدِّر لي ليلة القدر فما أقول؟ قال: قولي: «اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عنِّي»؛ تجد بعض الناس حينما يدعو ربه يظن وكأن هذا الدعاء ناقص أو غير كامل، فإذا به يتوسع ويضيف ألفاظًا إلى هذا الدعاء، فتجده يقول: اللهم إنك عفوٌّ كريمٌ حليمٌ غفورٌ رحيم… ويأتي بألفاظ –وقد سمعت ذلك بنفسي– حتى إلى… يعني أن تصل إلى ما الذي هو بيت القصيد في الدعاء –الطلب الذي يتوجه به العبد إلى ربه تبارك وتعالى– تكون قد نسيت من كثرة الأسماء التي أتى بها.
وأحيانًا يأتي بأسماء يسمِّي بها الله سبحانه وتعالى وفيها خلاف عند أهل العلم، نعم، كلفظ «الحنان» على سبيل المثال.
أحيانًا أيضًا حتى في صيغة الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما كان صحابة رسول الله قد سألوه: إن الله تعالى قد أمرنا أن نصلي ونسلم عليك، فكيف نقول؟ هم يسألونه ليبين لهم كيف يصلون عليه، فيقول لهم صلى الله عليه وسلم: «قولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على نبينا محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد»، وهناك روايات متقاربة لهذا اللفظ الذي ذكرته.
فإذا بك تجد بعض الناس يبتدع ألفاظًا في معانيها في الحقيقة ما قد يمكن أن يكون فيه من تجاوز الشرع ما لا يخفى؛ كأن يقول –وقد سمعت ذلك أيضًا بنفسي، ولتأذن لي في ذكر هذا المثال أيضًا–: اللهم صلِّ على محمد عدد من صلى عليه، وصلِّ على نبينا محمد عدد من لم يصلِّ عليه، وصلِّ على نبينا محمد كما أُمرت أن يُصلَّى عليه، وصلِّ على نبينا محمد… ويأتي بلفظٍ طويل… كما تحب أن يُصلَّى عليه…
أنا لا أعرف هذه الألفاظ، هل لأنهم يظنون أن فيما أرشدنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألفاظٍ في مثل هذه المواضع ليست فيها غنية، وليست فيها كفاية، وإنما يأتون هم بأفضل؟ هذا لا يعني –في المقابل– حكم العاطفة شيء، ولكن هذه الألفاظ علَّمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك مجال واسع لكي يتوجه العبد إلى ربه بالثناء الحسن، وبالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسب الألفاظ المشروعة، أما أن يأتي بألفاظ –كما قلت– قد يكون فيها من التجاوزات الشرعية ما فيها، فهذا مما لا ينبغي.
هذا في مقابل ما قلت أيضًا من أن بعض الناس لا يرى إلا أن يكون الدعاء بالألفاظ والأذكار الواردة في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة، وليس الأمر كذلك؛ فالإنسان إنما يتوجه إلى ربه لطلب وسؤال حاجته، ولذلك فله أن يسأل بما شاء، ويلتزم بالآداب كما قلنا: يبدأ بالثناء والحمد لله تبارك وتعالى، ويصلي ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل بعد ذلك حاجته ما لم يكن إثمًا أو قطيعة رحم؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن ذلك، وقال: «يُستجاب لأحدكم ما لم يدعُ بإثمٍ أو قطيعة رحم».