⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن هذه الشريعة الغراء التي أكرمنا الله سبحانه وتعالى بها وارتضاها لنا هي شريعة رحمة بالناس جميعا، يقول سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
ومن رحمة هذه الشريعة بالناس أن بيّنت لهم سبل السلام في هذه الحياة الدنيا؛ السلام الذي يغشى النفوس فيبعث فيها الطمأنينة والسكون، والسلام الذي يعم الآحاد والأفراد والمجتمعات بحيث تكون حياتهم حياة يسودها الأمن والأمان والسِّلم والسلام، فحينما يستمسك الناس بحبل الله المتين وبالعروة الوثقى فلا ريب أن ذلكم الإيمان الذي تغلغل في قلوبهم سوف يصوغ لهم حياتهم بحيث تكون حياة هانئة راشدة تسير وفق ما يرضي الله سبحانه وتعالى، ما يحقق المصلحة لهذا الإنسان.
لأن هذه الشريعة إنما جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد، وكما يقول أهل الأصول فإن المصلحة هي التي قررها الشارع الحكيم، وقد أُطِّرت هذه المصالح في أنها تدور حول خمس ضروريات وسميت بالضرورات الخمس، وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل أو الأعراض، وحفظ المال.
وحينما نتأمل في الأحكام الشرعية نجد أنها جاءت لأجل هذه الغايات، ومن رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد، وهو الذي خلقهم وعلم سرهم ونجواهم، وركب فيهم من الأهواء والشهوات كما ركب فيهم من خصال الفطرة ومن دواعي الخير ما ركب جل وعلا، أراد بذلك أن يبلو الشاكر من الكافر، والصابر ممن لا يصبر، والذي يتقرب إليه ويتغلب على شهوات نفسه فيفوز بنعيمه وبرضاه ممن يُخفق في ذلك كله.
كان من فضله ومنته سبحانه وتعالى أن فتح لعباده أبواب التوبة؛ لأنه علم أن هذا الإنسان، هذا المخلوق الضعيف سوف يخطئ في حياته، وقد فتح له جل وعلا أبواب التوبة مشرَعة، وهي أبواب بين هذا العبد الضعيف وبين خالقه سبحانه وتعالى، هذا العبد يملك مفاتيحها، هذا العبد هو الذي يستطيع أن يلج بنفسه في هذه الأبواب المشرعة المفتوحة، فيخرج من ذلك الضيق وذاك اليأس والقنوط الذي استبد به حينما خالف أوامر الله سبحانه وتعالى أو أتى شيئا من الشرور والآثام، أو أتى شيئا من هذه الخبائث التي تضر عقله ودينه ونفسه وصحته وأخلاقه.
فإذا به يتمكن بالتوبة النصوح وبالاستغفار، وبطلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى، يتمكن من الخروج من هذه الحالة الضيقة ومن هذا الضنك الذي يكون فيه إلى رحاب الإيمان الواسعة، وإلى رياض الإيمان، فيجدّد في نفسه الإيمان، وإذا بتلك الآثار والقيود التي كانت عليه تتحول بعد ذلك إلى أعمال صالحة.
فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]، ويقول أيضا سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70]، ويقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]، ذلك ذكرى للذاكرين.
ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: «واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».
فإذا ما تملّك الإيمانُ في نفس هذا الذي أتى شيئا من هذه الخبائث أو ارتكب شيئا من هذه المحظورات، فإنه بالإيمان يتمكن من الإرادة، ويتمكن من العزيمة التي يحتاج إليها حتى يخرج من دائرة الإدمان وتعاطي المخدرات وتعاطي المسكرات؛ فإن أشد ما يحتاج إليه من وقع في المخدرات تعاطيا وتناولا أو إدمانا هو الإرادة والعزيمة، وهذه لا يمكن أن توجدها قوة خارجية، لا يمكن أن توجدها قوة القانون، ولا يمكن أن يوجدها لدى نفس هذا الفرد ضغط الأسرة والمجتمع، إنما تنبعث من الداخل، ولا تنبعث إلا حينما يعلم يقينا هذا الواقع في شيء من هذه الخبائث من المسكرات والمفترات والمخدرات أن حبل الرجاء إنما هو بينه وبين الله سبحانه وتعالى، وأنه يملك طرف هذا الخيط، ما عليه إلا أن يمسك به.
«ومن كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي قال فيه: والله، لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاة»، يقول الله عز وجل: «وما تقرب إليّ عبدي شِبرا إلا تقربتُ إليه ذراعا، وما تقرب إليّ عبدي مَشيًا إلا أتيته هرولة، وما أتاني هرولة إلا أتيته مسرعا».
هكذا هي رحمة الله سبحانه وتعالى، وهكذا هو فضله، فما على هذا الذي وقع في هذه الخبائث من المخدرات والمسكرات والمفترات إلا أن يلج باب التوبة الفسيح، ولا يكون ذلك كما قلت إلا باستحضار حقيقة الإيمان، هذا الإيمان الذي يخرج به من آثار القنوط واليأس من رحمة الله عز وجل إلى واسع أرجاء رحمة الله تبارك وتعالى، ولذلك قال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، ولذلك قدمنا بأنه دين رحمة، وأن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده، إلا أن مفاتيح استحقاق العبد لهذه الرحمة هي بيد هذا العبد.
وحينما تكون لدى هذا العبد العزيمة والإرادة الصادقة، وحينما يعزم على التوبة الصادقة النصوح، فإن الله سبحانه وتعالى سوف يهيئ له الأسباب، بعدها يأتي ما تشيرون إليه من أن يتمكن من أن يقول: لا للمخدرات، وأن يقول: لا لرفقة السوء، وأن يقول: لا لكل المغريات التي سوف تدفعه إلى أن يعود مرة أخرى إلى عالم الرذيلة، وإلى حالة الفساد بتناول المخدرات وتعاطيها.
بهذا الإيمان يتمكن أيضا من أن يجدّد في نفسه ما يعينه على مواجهة خطوب هذه الحياة الدنيا، فإن كان لجأ إلى شيء مما يُصرفه عن الواقع ويبعده –في ظنه– عن حقيقة ما يُلاقيه، ويورثه أيضا –في توهمه وفي ظنه– شيئا من النشوة العابرة أو السعادة اللحظية الآنية، فإن ذلك كله سوف يتبدد، وسوف يعلم أن هناك في هذا الدين، وفي إيمانه الذي يتحكم في قلبه، من المبادئ والقيم ومن الرجاء ما يكفيه لكي يواجه هذه الخطوب، ولكي يتخلص من رفقة السوء، ولكي أيضا يبعد عن نفسه الوساوس التي يتكرر صداها في نفسه تطالِبه بالعودة، كما أنها سوف تسهّل عليه أمر التوبة.
وهنا يكون دور الفقيه كما يكون دور المجتمع والبيت والمدرسة، فلا بد من عون هذا الذي يطرق أبواب التوبة بكل ما يمكن أن يُعان عليه؛ لأن هذا من الإعانة على البر والتقوى، والله عز وجل يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، وهذا من تنفيس الكربة، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: «من نفّس عن مؤمن كربة من كُرَب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»، وهذا من تفريج الهموم، ولتفريج الهموم الأجرُ والثواب عند الله سبحانه وتعالى.