⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن هذه المسألة مسألة مهمة، وإن لم يكن أهل العلم قد تحدثوا عنها إلا في العصور المتأخرة، لكن صنيعهم فيما يكتبونه أو فيما كتبوه نظمًا ونثرًا يمكن أن يستخلص منه تقعيد لهذه القضية: هل يسوغ أن يُقتبس أو يُضمَّن كلامُ الله عز وجل في كتابه الكريم في كلام الناس من أجل التحسين، من أجل تحسين الكلام وتقوية المعنى؟
والصحيح –وهو المنهج الوسط العدل– أن ذلك جائزٌ سائغ إذا كان الكلام طيبًا حسنًا، وكان المقصد مشروعًا، وكان المعنى صحيحًا، ولم يكن هناك شيء من الاستهزاء بكلام الله عز وجل، ولم يكن المقام مقام سخريةٍ واستهزاء.
فإذا كان المعنى صحيحًا، وكان مقصود المقتبِس أن يحسِّن كلامه بشيءٍ مما ورد في آيات الكتاب العزيز، وكان المعنى لائقًا، لم يكن في المعنى إسفاف ولا هو من باب اللهو، ولم يكن السياق فيه شيء من المجون أو مما لا يليق بمنزلة كتاب الله عز وجل، وكان المعنى صحيحًا كما تقدَّم، ومن ما يتعلق باللهو أو الاستهزاء؛ ففي هذه الحالة لا مانع شرعًا من الاقتباس والتضمين.
والمنصف الذي ينظر في ما خلَّفه علماء المسلمين وأدباءُهم نظمًا ونثرًا يجد أنهم اقتبسوا وضمَّنوا من آيات الكتاب العزيز في كتبهم ومصنفاتهم وخطبهم، وفي آدابهم وعلومهم، وعدُّوا ذلك من المناقب أن يقتبسوا ويضمَّنوا شيئًا من آيات كتاب الله عز وجل في كلامهم –كما تقدَّم– نظمًا أو نثرًا، وكان المعنى صحيحًا، وكان القصد تحسين الكلام، ولم يكن هناك محذور من اللهو أو الاستهزاء أو السخرية.
فإذا اجتمعت هذه الأحوال فلا مانع ولا بأس من ذلك، أما إذا اختلَّ شيء من هذه الشروط فلا يسوغ هذا الصنيع.
تشهد له قرائن؛ ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما رأى سبطيه الحسن والحسين، وكان على المنبر، فنزل وهو يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ مع أن سياق الآية ومعناها في غير هذا السياق، وإنما هناك تقارب في المعنى يمكن أن يصلح لمثل هذا الموقف.
فعل ذلك سيدُنا أبو بكر الصديق وسيدُنا عمر بن الخطاب، وحصل ذلك عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن جاء بعدهم من التابعين، وعند أئمة الإسلام، وإن كانت هناك بعض الأقوال التي تُنسب إلى بعض متأخري المالكية فيها تشدُّد، لكن كبار علماء المالكية يفعلون ذلك ويصنعون في مصنفاتهم، فدلَّ على أن المحذور فقط هو أن يُعرَّض كلام الله عز وجل لمعنى غير لائق أو لمعنى غير صحيح، أو أن يكون ذلك في سياق الاستهزاء بآيات الكتاب العزيز، والاستهزاء بآيات القرآن العظيم كفرٌ بنصِّ كتاب الله عز وجل، أو في أن يكون السياق سياق لهوٍ أو مجونٍ أو سفاهة؛ فهذه يجب أن يُنزَّه عنها كلام الله تبارك وتعالى لا من باب الاقتباس ولا من باب التضمين.
هذا والله تعالى أعلم.