⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ذكر المفسرون جملة وجوهٍ: لماذا اختصَّ الرجل في الشهادة الخامسة باللعن، وخُصَّت المرأة بالغضب في الشهادة الخامسة؟
أشهر هذه الوجوه: أن الرجل ما كان لِينتَصِب أو ليتَّهِم امرأته إلا وغالب الظنِّ أنه صادق، فإن كان كاذباً فإنه سيجلب لأهل بيته العار والقذف واللعن، فناسب ذلك أن تكون شهادته بإحلال اللعن على نفسه، هذا وجه.
ويقابل هذا في المرأة أنها أغضبت زوجها بما رماها به، وأغضبتْ مَن حولها، فناسبه أن يحلَّ عليها الغضب، نعم، هذا هو الوجه الأول.
ووجهٌ آخر: هو أن المرأة –وهؤلاء يستندون إلى حديث: «يَكفرن العشير ويُكثِرن اللعن»– فقَلَّت هيبة اللعنة من ألسنة بعض النساء، فناسب ذلك أن يُؤتَى لهنَّ بمصطلحٍ آخر فيه إغلاظٌ وتذكير وزجر، مما لم تَألَفْه ألسنتهن كثيراً؛ فعند هؤلاء أن هذا التنويع: أن الأصل اللعنة، لكن لما كانت النساء تُكثِر من اللعن، فناسب ذلك أن يُؤتَى لها بمصطلحٍ أو مرادفٍ آخر يحمل نفس المعنى أو أشدَّ منه –إذ اختلفوا: أيهما أشد في المعنى، اللعن أو الغضب؟ وهذه مسألة أخرى.
والوجه الثالث –وهي كلها وجوهٌ حسنة يحتملها المعنى، يعني لا حاجة إلى أن نأخذ معنىً واحداً فقط من هذه المعاني– هو أن الرجل جُعلت شهادته –أو خُصَّ في الشهادة الخامسة– باللعن، وهو الإبعاد والطرد من رحمة الله تبارك وتعالى؛ لأن رميه لامرأته أمرٌ عظيم، فاحتاج إلى ما هو أشد، فهو يُبعِد امرأته عن نفسه وينأى بنفسه عنها، فمعنى البُعد هنا ناسَبه أيضاً أن تكون الشهادة بما يدلُّ على البُعد، الذي يمكن أن يكون زاجراً ومانعاً، وفيه من التخويف ما يناسب المعنى الذي تولَّد عنده.
وفي حالة المرأة فإن الغضب يناسبها أكثر، للعِلَّة المتقدِّمة التي ذُكرت أيضاً فيما أحدثته من إغضابٍ لزوجها ولأهلها وعشيرتها، فناسب –يعني هؤلاء التفتوا إلى جانب المرأة، على خلاف الفريق الأول– نعم، كل هذه المعاني مقبولة وسائغة.
يُضاف لطيفةٌ قرآنية: أن الغضب –وهذا المعنى ملحوظ– أن الغضب في كتاب الله عز وجل، أي إغضاب الله تبارك وتعالى، وأن يحلَّ بعبدٍ من العباد غضبٌ من الله تعالى، فهذا دليلٌ على أن الانحراف من هذا العبد كان على عِلم؛ ولذلك فرَّقوا بين الضلال وحلول غضب الله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ فلأن انحراف المغضوب عليهم عن الصراط المستقيم كان عن علمٍ وقصد، على خلاف ما يمكن أن يكون عليه انحراف الضلال، فقد يكون عن غفلةٍ وسهوٍ أو عن جهل.
وهذا المعنى ملحوظ؛ لأن المرأة هي التي تعلم من نفسها إن كانت قد أتت ما رُمِيَت به أو لم تأته، فناسب هذا المعنى أن يكون المصطلحُ المستخدم في حقِّها في الشهادة الخامسة مناسباً لهذا المعنى؛ لأنه انحرافٌ عن علم.
والله تعالى أعلم.