⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى بشيرا ونذيرا، بعثه الله بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين، وكلمة الكفر كما هو معلوم تشمل الكفر الملي المخرج من ملة الإسلام، وهو الكفر الأكبر الذي يعبر عنه بالشرك، وتشمل أيضا كفر النعمة.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كما جاء داعيا إلى الطاعات والاستقامة عليها واتباعها، جاء أيضا محذرا من معاصي الله سبحانه، لأن جرأة العاصي هي جرأة عظيمة عندما يصر على معصيته؛ إذ من يعصي إنما يعصي الله، الله الذي خلقه، الذي أخرجه من العدم إلى الوجود، وأفاض عليه نعمه ظاهرة وباطنة، ويسر له سبيل هذه الحياة، ومهد له وجوده فيها، وجعل نظام الكون وطبيعته موائمًا مع فطرته التي فطره عليها، فقيام الإنسان على هذه المعصية عن إصرار وقصد مع نهيه سبحانه وتعالى له وتوعده على ذلك ليس بأمر هين.
فلذلك عندما نجد النبي صلى الله عليه وسلم يلعن إنما يلعن الذين أصروا على المجاهرة بالمعصية، وأصروا على الإعراض عن أمر الله سبحانه وتعالى، وأخلدوا إلى هوى نفوسهم.
ونحن نجد في كتاب الله الأمر واضحًا، نجد ما يدل على أن هناك طريقين: هناك طريق الاستقامة وطريق الانحراف، فطريق الاستقامة هو الذي يؤدي إلى رضوان الله، وطريق الانحراف على عكس ذلك، الله سبحانه وتعالى وعد وتوعد في كتابه: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾، ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾.
فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما يلعن مثلا آكل الربا، أو يلعن النساء المتبرجات، أو يلعن المحلِّل والمحلَّل له، أو يلعن من أحدث في الإسلام حدثا أو آوى محدثا، إنما كل ذلك لأجل أن يكون الناس على معرفة بالأمر، وخشية من الله سبحانه وتعالى.
وعده ووعيده نافذ؛ إذ قال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾، وقال: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
فلذلك كان من الضرورة بمكان أن يكون الإنسان في هذه الحياة حذرا من الانزلاق فيها، ومهما يكن من حسن ظن الإنسان المسلم بالله، إلا أن ذلك لا يدعوه إلى التهاون، ولا يدعوه إلى أن يتجرأ على الله سبحانه وتعالى.
فالله تعالى بين لمن تكون مغفرته: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾، فهؤلاء الذين يغفر الله سبحانه وتعالى لهم.
لذلك دعا الله سبحانه أصحاب الكبائر الذين أسرفوا على أنفسهم بارتكابهم الموبقات وبفعل محارم الله سبحانه، دعاهم إلى أن يسارعوا إلى التوبة، إذ يقول سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
فإذا الإنسان مطالب أن يلزم المنهج السوي، ولا ريب أن هناك في الحياة جواذب ودوافع، هذه الجواذب وهذه الدوافع تجذب الإنسان إلى الشر، وتحاول أن تبعده من الخير، ولكن مع ذلك عليه أن يصبر وأن يصابر في استمساكه بأمر الله تعالى.
نحن نرى الأمر واضحا في أن الله سبحانه يبيّن أن الدنيا تجذب الإنسان إليها، تغريه بزخرفها وزينتها، وبما أودع الله سبحانه وتعالى في طبيعتها مما يميل إليه الإنسان عادة، ولكن مع ذلك بين سبحانه أن الآخرة في مقابل هذه الدنيا، إذ يقول سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ، ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾، ويقول سبحانه وتعالى أيضا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ، وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ويقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا، وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾، ويقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.
ولا ريب أن الإنسان الذي يتهالك على معاصي الله، ويعطي نفسه هواها ولا ينهنهها عن الشر، إنما آثر حياة الدنيا على الآخرة.
كذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يحدد الذين هم ناجون من الخسران، من هم الذين ينجون من الخسران يوم القيامة مع حكمه على جميع الناس بالخسران إلا أولئك، وذلك عندما قال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ، وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
فالإنسان مطالب أن يحرص على هذه الأمور الأربعة: أن يحرص على الإيمان الراسخ في النفس الذي يتغلغل في أعماق القلب، ويحرك أوتار النفس، ويثير مشاعرها وأحاسيسها، ويحرك جوارحها لأعمال الخير، ولذلك أُتبع ذكر الإيمان بالعمل، لا بد مع الإيمان من العمل، لأن العمل هو الذي يترجم الإيمان، فالإيمان ليس دعوى يدعيها الإنسان: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.
وهذا العمل لا بد أيضا من أن يُحاط بسياج، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ و﴿تَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، فالتواصي بالحق مدعاة لاستمرار الإنسان على العمل الصالح، لأن المجتمع من حوله يعينه على الأعمال الصالحة إذ يوصيه بها، كذلك التواصي بالصبر؛ إذ بُعد الإنسان عن معاصي الله، وحمله نفسه على طاعة الله سبحانه وتعالى يستوجبان الصبر على المكاره، لأن النفس ميالة إلى المعاصي، النفس غالبا غير راغبة في الطاعة، ولكن بما أن إيمان الإنسان يجعله مستعليا على رغبات نفسه، فإنه لا بد مع هذا الإيمان ومع هذا العمل أن يكون هنالك تواصٍ بالصبر بجانب التواصي بالحق.