مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

ريادة المسلمين أم تقليدهم

كيف يتعامل المسلمون مع النوازل العلمية والطبية الحديثة: هل يلزم أن يكونوا رواداً فيها أم لا حرج أن يكونوا متعاونين ومقتبسين من غيرهم؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهِّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فالجواب على هذا السؤال يندرج تحت مقولة خاطئة انتشرت في أوساط المسلمين اليوم كثيرًا، وهو أن المسلمين إما أن يكونوا روادًا أو أن يكونوا مقلدين. فإذا ما ظهرت نازلة جديدة أو حصل اكتشاف جديد أو قضايا لم تُعهد فيما مضى، فتجد الناس في أوساط المسلمين على فريقين: فريق يدّعي أن هذا الاكتشاف أو حكم تلك النازلة قد سبق إليه المسلمون قبل أكثر من الألف عام، وفريق يعتِب على المسلمين تأخرهم ويرى أنهم مقلدون لغيرهم من الشرق أو الغرب كما تفضّلتم، وهذا يسري في كثير من القضايا التي تحتاج إلى اجتهاد شرعي، سواء كانت قضايا فكرية أو كانت قضايا علمية أو طبية أو مالية اقتصادية أو كانت قضايا سياسية أو اجتماعية إلى آخرها. والصحيح الذي ينبغي للمسلمين اليوم أن يتقنوه هو أن بين الريادة والتقليد هناك تعاون، ولا حرج فيه أبدًا في هذا الدين الحنيف؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، وليس في الأدلة الشرعية ما يلزم المسلمين أن يكونوا أسبق من غيرهم فيما فيه خير لهذا الإنسان بجلب صلاح له أو للحياة عمومًا ودفع الشر عنه والفساد وعن الحياة كلها، ليس هناك في كتاب الله عز وجل وفي سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يدعو المسلمين إلى أن يكونوا دائمًا سباقين روادًا، بل إننا نجد –كما تقدّم في الآية الكريمة– أن الله تبارك وتعالى يأمرهم إلى طرق أبواب التعاون مع غيرهم لما فيه خير هذا الإنسان وصلاح هذه الحياة ودفع الشر والفساد عنه وعنها. ثم إننا نجد في سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يؤكد هذا المعنى؛ فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام يقول: «لقد شهدت في دار ابن جدعان حلفًا لو دُعيت إلى مثله أو بمثله لأجبت»، يشير إلى حلف الفضول، حيث تعاهدت قريش –أو بطون من قريش– على ألا يَعْدُوَ ظالمٌ على مظلوم، وأن تُردَّ الفضول إلى أهلها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يُثني على هذا الحلف الذي كان من أهل الجاهلية؛ لأنه شهده عليه الصلاة والسلام وهو صغير مع أعمامه، لأن فيه عناية بمكارم الأخلاق، ولأن فيه ردعًا للظالم عن المظلوم، ولأن فيه ردًّا للحقوق إلى أهلها. وفي صلح الحديبية –وهذا دليل آخر– حينما دُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خُطة سِلْمٍ من قِبَل المشركين، فإنه لم يتردّد في قبولها؛ لأن الله تبارك وتعالى قال له: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: 61]. أتى سيدُنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقول له: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: بلى. ثم يقول: فكيف نرضى الدنية في ديننا ونعود دون أن نؤدي ما كتب الله لنا؟ فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني رسول الله، وإن الله لن يضيعني». ثم يأتي أبا بكر فيقول له مثل ما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيرد عليه: إنه رسول الله، وإن الله تعالى لن يضيعه، حتى نزلت سورة الفتح، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه سورة الفتح: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۝ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1]، فقال عمر رضي الله عنه: أفتحٌ هو يا رسول الله؟ فقال: «نعم، وأيُّ فتحٍ». والدليل الآخر الذي يشهد على انتفاع المسلمين مما يصل إليه غيرهم، وأنه لا حرج عليهم في ذلك، ولا يُشترط أن يكونوا روادًا، وأن يحرصوا على ما فيه الخير والصلاح والحكمة والرشد لهذا الإنسان ولهذه الحياة؛ لأنهم مستخلفون فيها، حديثُ همِّ النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الغِيلَة، فإنه لما بلغه أن فارس والروم يفعلونه ولا يضرّ بولدهم شيئًا، ما نهى عنه عليه الصلاة والسلام، وهو وطء المرأة وهي مُرضِع؛ قال: بلغه أنه لا يضر، يفعلونه ولا يضرّ ذلك بولدهم شيئًا، بلغه عن فارس والروم. وهذا التأصيل مهم لكي ندفع عما وقع فيه المسلمون اليوم من الإصرار على أن يكونوا في أحد طرفين: إما أن يدّعوا الريادة والسبق، وإما أن يكونوا مقلدين تقليدًا أعمى لغيرهم. ولذلك فإن ما أتاه العلم اليوم –حتى ندخل إلى هذه القضية– ما أتاه العلم اليوم من وسائل للعلاج ومن طرق للتداوي، فإن الأصل فيها الإباحة؛ لأن هذا الدين يدعو، ومن أعظم مقاصده ما يتعلق بحفظ النفس وبحفظ العقل، فضلًا عما يستدعيه حفظ كرامة الإنسان من أن يكون سويًّا صحيحًا في عقله وبدنه وفي مكوّناته المعنوية؛ فمن أجل ذلك كان ما يعزّز هذه المقاصد أو الضرورات الكلية هو مما يحثّ عليه هذا الدين، وما يتعارض معها أو مع شيء من الأحكام الشرعية الثابتة في كتاب الله عز وجل أو في سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة فإنه حينئذ يُترك، ويؤخذ ما يوافق هذه الأدلة الشرعية والمقاصد الكلية والقواعد العامة ويُستفاد منه ويُنتفع. ونحن نرى أن مثل هذه القضايا تدخل في هذا الإطار إذ لم ترد فيها أدلة خاصة، فتتناولها الأدلة العامة ومقاصد هذه الشريعة والقواعد الكلية، وينبغي أن يُنظر فيها من هذا الباب. لا ريب أن الاجتهاد الجماعي أولى بها، وهي فعلا قضايا العلاج بنقل الأعضاء وزرعها إلى المحتاج إليها، كان أغلب الاجتهاد فيها اجتهادًا جماعيًّا، وهذا مما يُحسب للمجامع الفقهية؛ لأنها عوّلت أيضًا على آراء خبراء واستشاريين ومتخصصين في علوم الطب وفيما يتعلق بالتخصصات التي يحتاج إليها لتصوّر هذه المسألة تصورًا صحيحًا أولًا، ثم لتكييفها، وبعد ذلك الخروج بالأحكام الشرعية الموافقة لما تقدّم من أدلة إجمالية. واليوم وصلت أغلب المجامع الفقهية إلى استقرار فيما ارتضته ورجّحته من اجتهادات في هذه المسألة، وحتى نختصر فإنها جنحت إلى الإباحة، أي إباحة نقل الأعضاء –بتفاصيل سنذكرها بمشيئة الله تعالى– لكنها صارت المسألة في مجملها محسومة لدى أغلب المجامع الفقهية –لا يمكن التعميم– ولدى أغلب الفقهاء المعاصرين، ويوجد بعض الفقهاء الذين لا يزالون مترددين وبعض المجامع أيضًا أو الدوائر الفقهية التي لازالت لم تحسم هذه المسألة بعد، لكن أغلب المجامع الفقهية كمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، وأغلب المجامع الفقهية قد استقر اجتهادها في قضايا التبرع بالأعضاء وزراعتها لدى المحتاج إليها.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٦‏/١١‏/٢٠١٦👁 2 مشاهدة
🎬

نقل الأعضاء والموت السريري تكييف وأحكام - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي HD

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

تعامل المسلمين مع النوازل

2 👁

كيف يتعامل المسلمون مع النوازل المعاصرة وبأي أدوات يناقشونها وفي أي الدوائر يكون ذلك؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

تقصير المسلمين المعاصرين

2 👁

هل يسمح الوضع السياسي الراهن للمسلمين بالتهاون في ميدان العلوم وترك الريادة العلمية لغيرهم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

تقصير المسلمين المعاصرين

2 👁

هل يسمح وضع المسلمين السياسي اليوم بالتهاون في ميدان العلوم وترك الريادة لغيرهم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢١‏/١٠‏/٢٠١٨

اتباع الهوى واختلاف العلماء

2 👁

كيف يجمع المسلم بين النهي عن اتباع الهوى وبين كون اختلاف العلماء رحمة ووجود الرخص الفقهية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢‏/٥‏/٢٠٢١

أخذ الإيجابي من الحضارات

2 👁

هل يجب على المسلم عند اطلاعه على حضارات العالم أن يأخذ الإيجابي الموافق لدينه ويترك السلبي؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

دور العلماء في الفتن

2 👁

ما الواجب على علماء المسلمين في ظل الصراعات والفتن الحالية؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٦‏/٧‏/٢٠١٥