⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإنها لم تبين نذرها الذي نذرت، والظاهر أنها نذرت أن تصوم، نعم، ثم أجّلت الصيام، أجّلت الوفاء بنذرها. هكذا السؤال، هكذا.
في هذه الحالة ينبغي أن يُنظر: هل كان نذرها مقيَّداً بوقتٍ مخصوص ففات ذلك الوقت، أو أنها نذرت أن تصوم مطلقاً عدداً من الأيام؟ في هذه الحالة فإن عليها أن تفي بنذرها.
وقد تقدَّم أن النذر على نوعين: نوعٌ يسمَّى تبرُّراً، أي أنه يكون محضَ برٍّ، وهو الذي تنصرف إليه بعض آيات الكتاب العزيز كقوله سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7]، وكقوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270]، في سياق الثناء على المؤمنين المنفقين، وكإرشاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفراً من أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم إلى الوفاء بنذور كانت لهم في الجاهلية لكنها من نذور البر والإحسان، نعم، فأرشدهم عليه الصلاة والسلام إلى الوفاء بها، وهذا لا إشكال فيه لأنه نذر برٍّ، نعم، ويجب على من نذر مثل هذا النوع من النذور أن يفي بنذره تقرُّباً إلى الله تبارك وتعالى، وأداءً لما التزم به أو عاهد عليه ربَّه جل وعلا، نعم.
والنوع الثاني هو الذي يسمَّى نذر المجازاة، وهو الذي يكون في مقابل حصول شيء للإنسان، أن ينذر أن يفعل شيئاً أو أن يترك شيئاً إذا ما تحقَّق له أو حصل له أمرٌ ما، وهذا يسمَّى نذر المجازاة، وأكثر أهل العلم على أنه مكروه، نعم، وسبب كراهيته هو ما ورد من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق ابن عمر قال: نهانا عن النذر، وقال: إن النذر لا يقدِّم شيئاً ولا يؤخِّر، ولا يأتي بشيءٍ لم يكن مقدَّراً للإنسان، وإنما يُستخرج به من البخيل، نعم.
وقالوا: إن الأصل الإباحة، لكن هذا الحديث يؤخذ منه أن هذا الذي ينذر ينظر في مقابل المعاوضة، وكان الذي يريده من الله تبارك وتعالى لا يتحصَّل له إلا بمثل هذه المعاوضة، ولذلك جاء في الحديث: إنما يُستخرج به من البخيل؛ فإنه يُكره في حقه هذا النوع من النذر، نعم، ومن ظن أن النذر –كما حذَّرت ألفاظ الحديث– يدفع المقدَّر الذي قدَّره الله تبارك وتعالى فهذا لا يصح شرعاً، فهو منهيٌّ نهيَ تحريم، نعم.
وأما ما سوى ذلك من الصور فإنه يجوز له أن ينذر، وعليه أيضاً أن يفي بنذره؛ هذا نذر البر طبعاً، هذا الآن نتحدَّث عن النوع الثاني وهو نذر المجازاة أو نذر المعاوضة، نعم.
وينبغي أيضاً أن ننتبه في فقه النذور إلى أن النذر هو من جملة الأحكام الشرعية المترتبة على الألفاظ؛ فلها ألفاظٌ صريحة مخصوصة قصداً وُضعت لها، وهو أن يقول القائل: نذرتُ لله أن أفعل كذا وكذا، أو: عليَّ لله، أو: عليَّ نذرٌ لله، أو ما شابه هذه الصيغ، نعم، هذا نذرٌ لا خلاف فيه. أما أن ينوي في قلبه فهذا ليس بنذر، ولم يتلفَّظ بشيء.
بقي بعض ألفاظ الكنايات التي يعبِّر فيها المرء عن معاهدته لربه، والأقرب أنه نذر، أو عن التزامٍ بأي صيغة من الصيغ يلتزم فيها أن يفعل: إن حصل كذا فعلتُ كذا، نعم، أو: إن لم يحصل كذا فعلتُ كذا، «إن شُفي فعلتُ» … الحاصل هذه التي ليس فيها لا صيغة نذر ولا معاهدة ولا… اختلف فيها، ولا يظهر أنها من باب النذر، وإنما هي من الوعد، والوعد ينبغي للمسلم أن يلتزم به ديانة، لكنه ليس كالالتزام بالنذر المتحقق.
الآن نعود إلى المسألة بعد تفهيم ما يتعلَّق بالنذور، نعود إلى المسألة: إن كانت قد خصَّت أياماً لتصومها في نذرها، وفاتت تلك الأيام ففيها خلاف، ففي مسألتها خلاف: هل يمكن أن تقضي وتصوم مثل تلك الأيام، أو أنه قد فاتها، وعليها أن تتوب إلى الله تبارك وتعالى؟ ومنهم من يرى بأن عليها أن تُكفِّر كفَّارة يمينٍ مرسلة لحديث: «كفارة النذر كفارة اليمين»، نعم.
والقول الأول أحوط، ويُخرجها من الخلاف إذا صامت مثل تلك الأيام، ما لم تكن هناك علَّة معتبرة لما خُصَّت به تلك الأيام، وكان غيرها من الأيام مثل تلك الأيام، فلا إشكال في أن تقضي من أيام أُخر مثل الأيام التي نذرت أن تصومها، نعم، وإلا فإن القول الثاني الذي يعني يمكن أن تأخذ به أن تُكفِّر، وهو أن تُكفِّر كفَّارة يمينٍ مرسلة عن نذرها الذي فاتها أن تفي به، نعم.
أما إن لم تُحدِّد الصورة المقابلة –أنها لم تُحدِّد– نذرت أن تصوم أياماً إن حصل لها أمرٌ ما، فحصل لها ذلك ولكنها لم تُفِ بعد بنذرها، فهذه نظراً لأنها لم تُقيَّد بأيامٍ مخصوصة، فإن عليها الآن أن تؤدِّي ما عليها من نذر.
والله تعالى أعلم.