⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا شك أن العلم شرطٌ في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، لكن العلم المقصود –وسنأتي إلى أدلَّته– إنما هو بحسب موضوع الدعوة نفسها؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]، ويقول: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، ويبيِّن ربُّنا جل وعلا سُنَّته في بعث الأنبياء والمرسلين فيقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]؛ فهذا شرطٌ لا بد منه؛ إذ إن الدعوة إلى الله تبارك وتعالى وهداية الناس إلى الصراط المستقيم لا يمكن أن تكون عن جهل، بل أساسها العلم.
بقي أن هذا العلم يكون بحسب موضوع الدعوة نفسها؛ فإن من هموم الناس وقضاياهم وما يواجهونه ما لا يحتاج إلى علمٍ غزير، ما تكون الأحكام الشرعية فيه واضحةً بيِّنةً سهلة المآخِذ، يعرفها عموم طلبة العلم؛ فلا يسوغ للإنسان أن يدَّعي أنه ليس عنده علمٌ غزير، ومن أجل ذلك فإنه يتهاون ويتراخى عن البيان والبلاغ، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ذلك الأمر الذي كان حكمه واضحاً جلياً بيِّناً؛ فالمطلوب منه في هذه الحالة أن يكون عنده من العلم ما يكفي لموضوع الدعوة.
وهذا أيضاً يقودنا إلى أنه ينبغي للمسلم عموماً، وللداعية إلى الله تبارك وتعالى على نحوٍ أخص، أن يزداد علماً؛ أن يطلب العلم النافع، وأن يهتدي بما أرشد ربُّنا جل وعلا إليه نبيَّنا محمداً صلى الله عليه وسلم حينما قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]، ومن صميم دعوته: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]؛ فينبغي له أن يتزوَّد من العلم النافع بمجالسة أهل العلم، بالقراءة والاطِّلاع، بالرُّجوع إلى أهل الاختصاص، وألَّا يضيع أوقاته في ما لا فائدة منه، نعم.
وهنا –يعني– ينبغي أيضاً، ممَّا ينبغي أن ننبه هؤلاء الذين انتدبوا أنفسهم لفعل الخير ونصح الناس، نعم، أن يتثبَّتوا فيما يدعون الناس إليه، وفيما يبلِّغونهم إياه من شرع الله تبارك وتعالى، نعم؛ لأن بعض المسائل فيها سَعَة، نعم، ويحتملها الفقه الإسلامي، فإذا ببعض الدعاة يضيِّقون، نعم، والعكس أيضاً: أحياناً بعض المسائل لا تحتمل –يعني– السعة، وتحتاج إلى بيان أحكام شرعية؛ لأنها تصادم نصوصاً شرعية، أو أنها تصادم أحكاماً شرعية ثابتة في كتاب الله عز وجل أو في سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا بهم يتساهلون فيها؛ فمن أجل ذلك لا بد أيضاً من التفقه وطلب العلم، وأن يكونوا على بيِّنة، وعلى دراية، وحكمة، وبصيرة.