⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولا: الحديث عند كثير من المحققين صحيح، وله قصة؛ أن بعضَ صحابةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في اليمن رأوا تعظيمَ غيرِ المسلمين لملوكهم وحكامهم بالسجود لهم، فقالوا: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أحقُّ بالسجود، أحق أن نسجد له، فأتوا فأخبروه، فبيَّن عليه الصلاة والسلام أن السجود لأحد من البشر ممنوع في هذا الدين، وأنه لو كان آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمر المرأة أن تسجد لزوجها.
وهو لم يأمر عليه الصلاة والسلام؛ و"لو" أداة امتناع الامتناع، أي إنه لم يفعل، لكن فائدة الحديث هي بيان عظيم حق الرجل على امرأته؛ فهذه هي فائدة الحديث، يصرف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنظارَ المخاطَبين وأنظارَ أمّته إلى بيان عظيم حقوق الرجل على زوجه، وأنها حقوق عظيمة كادت توصله إلى أن يكون مستحقا للسجود من المرأة، فهذا بيان لعِظَمِ حقوقِه ولكِبَر منزلتِه ووجوبِ طاعتِه في المعروف حتى تسير الحياة الزوجية، ويكون المحضِنُ محضِنًا صالحًا لتنشئة الذرية تنشئةً تقرُّ بها أعينُ الوالدين.
لكنه –كما تقدَّم– لم يفعل، وفائدة الحديث هي بيان عِظَم منزلة الرجل.
أما ما ذكره من شواهد فهي في محلِّها، وهي صحيحة؛ إذ إن هذا الرجل الذي يستحقُّ هذه الحقوق، ويُبَوَّأ هذه المنزلة، هو الذي يُحسِنُ عِشْرةَ امرأته، ممتثِلا أمرَ الله تبارك وتعالى في قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]، وفي قوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]، وفي قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خياركم خياركم لأهله، وأنا خياركم لأهلي»، وفي هديه الفعلي العملي عليه الصلاة والسلام مع أهل بيته، فإنه كان حسنَ المعشر، كان أفضلَ الناسِ عِشْرةً على الإطلاق لأهل بيته صلى الله عليه وسلم، كان أحسنَهم معشرًا وخُلُقًا وهَدْيًا وسماحةً مع أهل بيته.
فهذا الصنف من الرجال هم الذين يستحقون مثل هذه المنزلة؛ أما إذا كان الرجل ناشزًا بعيدًا عن الخير، مُفرِّطًا في الحقوق التي عليه لامرأته ولأهل بيته، منتهكًا لحدود الله تبارك وتعالى، فلا يبقى له إلا حقُّ حفظِ عِرضِه، وأما ما سوى ذلك فهي بحسب المواقف.
نحن نجد أن من النساء من أتت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم تشتكي شُحَّ زوجها عليها، وأنه لا يُنفق، وقالت: إنه شحيح، فوجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن تأخذ من ماله ما يكفيها وبنيها؛ فنجد مثل هذا لا يأتي أحد اليوم ويقول: لا، المرأة منهيَّة عن ذلك وهذا مالُ زوجِها؛ بل أذِن لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة الخاصة.
إذًا توفير هذه الحقوق في أكمل صورها وفي أبلغ حقائقها إنما يكون لذلك الزوج الذي يُراعي الله تبارك وتعالى في امرأته وفي أهل بيته، ويحفظ حقوقهم، ويسير فيهم بالمعروف، ويوفِّر لهم ما أمر الله تبارك وتعالى بتوفيره من رعاية وحقوق وحدَبٍ وعطفٍ وحُسن رعاية.
وهذا أيضًا مما نأخذه –مع الأدلة المتقدِّمة– من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته؛ فالإمام راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في مال زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها؛ ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
بقي أن هذا الذي تقدَّم هو تأصيل فقهي؛ يجنح المرء أحيانا إلى أن ينتصر لنفسه؛ فترى المرأة نفسها في منزلة أمهات المؤمنين رضوان الله تعالى عليهن، أو يرى الرجل نفسه أنه التقيّ العابد الزاهد الورِع في منزلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ورد ذكرهم في الأحاديث، وكلّنا مليئون بالعيوب والنقائص والأخطاء؛ لا ننتبه، فيجنح كلُّ طرف إلى أن ينتصر لنفسه، وأن يعظِّم من محاسنه، وأن يُحقِّر من مساوئه، وأن يعظِّم من مساوئ الآخر، ويُحقِّر من محاسنه، ثم يُلبِس هذا التصورَ لَبوسًا شرعيًّا، ويأتي يتحدث في الحقوق والواجبات.
لا، بل من صميم المنهج الإسلامي القرآني في معالجة هذه المشكلات ما أرشدنا إليه القرآن الكريم حينما قال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165]؛ فعلى كل طرف أن يفتش أولا في ثنايا نفسه عن وجوه تقصيره، وعما أساء فيه إلى الآخرين، وعما فرَّط فيه، وأن يتوب إلى الله تبارك وتعالى، ويثوب إلى رُشده، وأن يستغفر، وأن يُصلح ما بينه وبين مولاه، ثم يؤدي هذه الحقوق التي عليه، ولينظر في النتائج بعد ذلك.