⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، مسألة طويلة.
كيف وسوس الشيطان أو إبليس؟ كما بيَّن كتاب الله عز وجل، متمكن من الوسوسة على بني آدم، وقد قطع عهدا على نفسه أن يفعل ذلك، وأنه قال: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، لكن متى كان هذا؟ لأنها تشير إلى قصة إخراجه من الجنة.
المسألة يعني مشهورة، فأولا: أي جنة كان فيها آدم وإبليس؟ وأين كان إبليس؟ وأين كان آدم وزوجه عليهما السلام؟
لنحدد أولا مكان جنة آدم، أو ما هي جنة آدم؛ هل هي جنة الخلد أم أنها جنة في الأرض؟ هذان أشهر قولين في المسألة –فيها أقوال– لكن هذان القولان هما الأشهر على الإطلاق.
والحقيقة أن الجمهور –باستثناء المعتزلة، لا سيما من المتقدمين– أن الجنة كانت جنة الخلد، جنة النعيم. وطائفة أيضا من علماء المذاهب الإسلامية ومن المعتزلة –وهم جمهور معتزلة– يرون أنها كانت في الأرض، أنها جنة مخصوصة في الأرض.
أما دليل الفريق الأول الذين يرون أنها جنة النعيم: هي أن الله تبارك وتعالى قال عنها: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، وهذا التعريف ينصرف إلى الجنة المعهودة، وأيضا حينما أمر الله تبارك وتعالى أولا إبليس قال: ﴿اهْبِطْ مِنْهَا﴾، وحينما أمر أيضا آدم وزوجه قال: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ –هو وإبليس– ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾، لكن استندوا أيضا إلى بعض الروايات، وللأسف الشديد فإن جملة من الروايات هي من الإسرائيليات، وبعضها أحاديث ضعيفة، وما صحَّ منها فهو أيضا آحادي، لا يصح في مسألة اعتقادية، إلا إذا كانت تعد من فروع الاعتقاد، وهي كذلك، الأقرب أنها كذلك، نظرا لهذا الخلاف داخل المذاهب الإسلامية كلها.
الفريق الذين يرون أنها ليست جنة الخلد قالوا: بأن جنة الخلد الأوصاف التي وردت في قصة آدم وإبليس تدل على أن هناك ابتلاء، وجنة الخلد هي دار نعيم، دار جزاء، ليست دار ابتلاء، ثم إنها دار خلود، فكيف يخرجون منها؟ ثم إن الله تبارك وتعالى لما أذن للملائكة بخلق آدم قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فأعلمهم أن آدم سيكون مستقرُّه في الأرض.
وردُّوا على القائلين بأن الجنة هي جنة النعيم أو جنة الخلد بأنه ورد في القرآن أيضا استخدام الجنة بهذا التعريف، ولا يراد منها –باتفاق– جنة النعيم: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾، وقالوا أيضا في الهبوط: بأن الله تعالى خاطب بني إسرائيل: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾، وأنه لا دلالة في ذلك.
بالإضافة –أي أضافوا– الردود التي ردوا بها على هذا الفريق من حيث إن الجنة إنما هي جنة الخلد، وهي دار جزاء، وليس فيها ابتلاء، وهي دار إقامة أبدية، وهذا كله يتعارض مع ما حصل في قصة آدم.
إذاً هذان هما أشهر قولين في المسألة، والأسلم في الحقيقة التوقف؛ لأن لكل قول أدلة، لا يمكن أن يقال بأنها أدلة قاطعة في المسألة، لكنها أدلة مربكة.
بقي أنه يمكن أن نخرج برأي وسط: هي جنة آدم؛ يعني –حسب اطلاعي البسيط المتواضع– كلهم، كل القائلين بهذه الأقوال يسمونها جنة آدم، يسمونها كذلك جنة خاصة، فالظاهر أنها جنة خاصة، والدليل أن الله تبارك وتعالى وصفها بقوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: 118-119]، ففيها نعيم خاص، أودعه الله تبارك وتعالى في هذه الجنة التي أسكن فيها آدم وزوجه.
في نفس السياق –في هذه الآية– لما قلت بأننا لسنا في حاجة إلى كل تلك الأقوال والحشو الموجود في هذه الروايات أو في هذه الأقوال، في نفس السياق: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾، ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾، قال: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: 120]، فهذا يعني أن هذا المكان، هذه الجنة التي هم فيها، ملك، هي ليست جنة خلد؛ «هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟»، ولو كان في جنة النعيم لكانت –من حيث ذاتها، من حيث أصلها– جنة خلد ونعيم لا يبلى.
ولذلك تمكن من الوسوسة إبليس، تمكن من الوسوسة بمثل هذه المداخل؛ لأنها لو كانت باطلة لا أصل لها لما أثرت في آدم عليه السلام؛ إذا هذا السياق يرجح أن تكون هذه الجنة جنة خاصة.
يسعف على هذا أن إبليس –عليه لعنة الله– في السياقات القرآنية التي أُخرج منها، يكون فيها التعبير: «اخرج منها»، «اهبط منها»، على أثر امتناعه عن السجود، ليس في هذه السياقات ذكر للجنة، فيها ذكر للملإ الأعلى: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، إذا هذه البقعة أو هذه السماء التي فيها الملأ الأعلى الذي دار بينهم هذا الحوار، هي غير جنة آدم، وأخرج منها إبليس أثر امتناعه، أثر إبائه السجود لآدم عليه السلام، فأُخرج منها.
هذا إخراج إبليس، أما آدم وزوجه فقد أسكنهما الله تعالى في هذه الجنة المخصوصة، وإبليس هنا غير مطرود بعد، هو إبليس معهم في هذه الجنة، طُرد من المكان الأول، من البقعة الأولى من السماء المذكورة سابقا التي وصفها الله تبارك وتعالى بأن فيها الملأ الأعلى: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، وهنا أُخرجوا جميعا على أثر وسوسة.
وهذا التوصيف يزيل كثيرا من اللبس؛ لأنها تتناسب تماما مع السياقات القرآنية، بدءا من إيذان الله تبارك وتعالى لملائكته أن آدم سيكون خليفة في الأرض، فكانت هذه مرحلة انتقالية بين خلق آدم إلى استقراره في الأرض ليكون خليفة فيها وبدء التكليف؛ ولذلك مباشرة: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: 22]، بدأ التكليف مباشرة بالانتقال، بالهبوط من جنة آدم.
أين هي؟ هنا السؤال: يعني لا أعرف ما الذي سيغيره البحث عنها، هل هي جنة أرضية أو جنة سماوية؟ احتمالات مفتوحة، لكن لا تغير شيئا، ولا ينبني عليها عمل؛ إن وجدت أدلة في كتاب الله عز وجل يمكن أن يقال، وإلا…
الجنة –جنة الخلد– أين هي الآن؟ جنة النعيم التي يتحدثون عنها، أين هي الآن؟ حتى حينما ردوا –طبعا الفريق الذي يقول بأن الجنة هي جنة النعيم– قالوا: لا يكون بعد يوم الحساب، أما قبل يوم الحساب فصفاتها وخصائصها مختلفة؛ من أين لهم ذلك؟ وأين هو؟ إذا كان الله عز وجل يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133]، إذا أين مكانها إذا كان عرضها السماوات والأرض؟ إذا يعني هي خارج.
لكن أن نقول أيضا إنها في الأرض، أو كما يقول بعض المفسرين: إنها في بعض الكواكب، وسمى المريخ؛ وهذا لا يصح دعما لقناعات من غير دليل.
فإذا هذه هي الخلاصة التي يمكن أن نفهم بها السياق كله.