⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
يستعيذ بالله ويعتصم بالله ويلتجئ إلى الله من شر الوسواس.
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، والوسوسة أصلُ الوسوسة: الصوتُ الخفي، وهذا يتناسب مع ما يُلقيه الشيطان في النفس البشرية من إغراءٍ وإملاءاتٍ وتزيينٍ للخطأ وتثبيطٍ عن الخير، كالصوت الخفي الذي لا يُسمَع أو لا يسمعه إلا القريب.
﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾: هؤلاء الناس الذين يوسوس في صدورهم هم: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾، أي من الجن، و﴿وَالنَّاسِ﴾؛ فيوسوس الشيطان في صدور الجن وفي صدور الإنس جميعًا؛ لأنه يسعى إلى إغوائهم جميعًا، وهذا أحد التفسيرات في الآية الكريمة.
وقيل: المقصود به شياطين الإنس الذين يُزيِّنون المعصية ويُغْرون بها، ويزهدون في الطاعة، ويثبِّطون عنها؛ فهذا نوعٌ من الوسوسة بمعناها العام، وإن كان ليس هو «الوسواس الخنَّاس» المذكور نصًّا في السورة، لكنه داخل في عموم الإضلال والإغواء.
والتفسير الثالث في هذه الآية: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ أن كلمة «الناس» الثانية تعود إلى «الجِنَّة»، وهو من باب عطف الشيء على مثله، يعني المقصود بهم الجن أيضًا، وأطلق عليهم الناس كما أطلق الله عليهم «رجالًا» في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾، فسمَّاهم رجالًا، ويكون على هذا المعنى أن هنا الآية تتكلم فقط عن وسوسة شيطان الجن، وليست عن شياطين الإنس، وهذا يتناسب مع لفظة «الوسوسة»؛ لأن الوسوسة هي الصوت الخفي، ووسوسة الإنس للإنس لا تكون بصوت خفي، وإنما تكون بصوت جليٍّ واضح، وهذا المقصود بالوسواس هنا كما قلت: الإغراءُ وتزيينُ الخطأ والتثبيطُ عن الخير.
هذا هو المقصود بالوسواس، وهذا يختلف تمامًا عن مرض الوسواس القهري المنتشر في هذا الزمان، وهو موجود طبعًا، لكنه الآن ربما كَثُر بسبب تداخل الحياة وكثرة الضغوط النفسية ومعطيات الحياة التي أوقعت كثيرًا من الناس في هذا الابتلاء، وهو الوسواس القهري.
الوسواس القهري لا يَختلِف عن وسواس الشيطان؟ وسواس الشيطان يزيِّن لك المعصية، يُحدِّثك بالخطأ، فإذا استعنتَ بالله واعتصمتَ بالله واستعذتَ من الشيطان ذهب الشيطان وذهبتْ وسوستُه: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. لكن الوسواس القهري هو مرضٌ تنتج عنه أفكارٌ سلبية تتكلَّم في داخل العقل ولا تنصرف عن الإنسان، وتُلازِمُه ليلَ نهار، وتكون مُزعجةً له إزعاجًا كبيرًا.
وهنا –للأسف– يقع خلطٌ بين هذين النوعين من الوساوس، فلذلك لا يمكن أن نُنَزِّل إحدى الحالتين مَنزلةَ الأخرى؛ يعني بعض الناس عندما يُشاهِد مُصابًا بالوسواس القهري يقول له: «نازعْه» أو يلومه، يقول: أنت ضحك عليك إبليس، وهذا كله من الشيطان، واستعِذْ بالله من الشيطان ولا تلتفت إلى هذا، وغير ذلك؛ فإنما هو الذي يعاني منه مرضٌ من الأمراض التي تقتضي علاجًا، تقتضي علاجًا.
والوسواس القهري –المرض– لا علاقة له بضعف الإيمان ولا بقوته، ولا بضعف الشخصية ولا بقوتها؛ فإنه يصيب حتى الأطفال، يصيب الأطفال، يصيب العلماء، يصيب الصالحين، يصيب المسلمين، يصيب الكافرين، وهو مرضٌ عالميٌّ كغيره من الأمراض التي تُصيب الناس، فلذلك ينبغي التفريق بين هذا وبين هذا.
والله تعالى أعلم.