⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
سؤال الكرامات: ربما في شبكات التواصل الآن يسهل على الإنسان أن ينقل ما يعتقده وما يظنه صحيحا للآخرين، ويرى أن ذلك من الأجر والقربات التي يعني يقوم فيها بتوعية الناس. هذه الكرامات التي تُحكى –كما ذكرتِ في بعض النماذج من الإنسان يخطُّ خطا وينتقل إلى بلد آخر، أو غيرها من الأشياء التي ذُكرت– حكم تناقلها وحكم عدم التصديق بها؟
أي نعم، لأنها تريد منكم نصيحة أيضا. هنا يعني مسألتان:
المسألة الأولى في نقل أخبارها، وهذا لعله تقدَّم في مناسبات شتى؛ لأن نقل خبر ما يستدعي التثبت والتبيُّن، لا ينبغي للمسلم أن ينقل خبرا دون أن يتثبت منه؛ «بئس مطية الرجل زعموا»، فلا ينبغي، بل –لا مبالغة– قيل بأنه لا يصح أن ينقل المرء خبرا وهو غير متثبت من صحته. والله تبارك وتعالى حذرنا من ذلك، قال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾، والتقييد بالفاسق في هذه الآية؛ لأنه في الغالب الذي يأتي بخبر غير متثبت منه إنما من كان ضعيف الإيمان، مريض القلب، وإلا فالمؤمن التقي فإنه يتحرى ويتبين ويتثبت؛ فنقل الأخبار دون تثبت منهيٌّ عنه في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو أن الناس أخذت بهذا المنهج لاختفت أيضا كثير من الإشاعات في سائر الأمور، ومنها ما يتصل بالكرامات وأخبارها، فلو اختفت كثير من الإشاعات وكثير من الانطباعات والتفسيرات والردود والشبهات والجدال الدائر بين الناس.
أما المسألة الثانية فهي ذات حصول الكرامات: هل يمكن أن تحصل؟ وما معنى هذه الكرامات؟ ما معناها أولا، ثم هل يمكن أن تحصل؟
الكرامات التي يتحدث عنها أهل العلم يقصدون بها اللطائف التي يكرم الله تعالى بها بعض أوليائه أو بعض خلقه، مما هو ليس في مقدور عموم البشر في ذلك الوقت، فيتمكنون –يمكنهم الله تبارك وتعالى– من بعض الأمور مما هو ليس في مقدور عموم الناس في ذلك الوقت، ولا يمكن نفي حصول الكرامات بهذا المعنى؛ لأنها حصلت عند صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب السير مليئة بها، حصلت في الأجيال اللاحقة في القرن الأول والثاني ومن جاء بعدهم، ووجِدت أيضا لدى عموم المسلمين بمختلف بلدانهم وأقطارهم وفي المراحل الزمنية التي مر بها المسلمون على أصناف شتى.
صحيح وُجدت هناك مبالغات، وُجدت هناك أكاذيب، ووُجد هناك انتحال، ووُجد هناك ادعاء، لكن لا شأن لنا بهذا النوع؛ لأنها مما تناول الشرع أنها لا يمكن أن تُصَدَّق، وأنها يعني ردٌّ على قائليها وعلى منتحلها، وإنما الحديث عما هو حادث فعلا، إما أن يكون مشاهَدا أو أن يكون قد ثبت نقله صحيحا.
… لو ما يلزم، ما يلزم منه أن يكون قضية –يعني مسألة الخط– سنأتي، كنا سنأتي سنأتي إليها. يعني على سبيل المثال مما نجده في ذلك، أو مما يُروى عن عمر بن الخطاب في أكثر من مناسبة، ولذلك كان يقال بأنه مُحَدَّث؛ فانه كان على بعد آلاف الأميال ويوجِّه الجيش، يقطع خطبته ويوجه الجيش. نعم صحيح أنه من حيث الصنعة هناك من يعني يشكك فيقول –يعني في رواية–: «يا سارية الجبل، الجبل، عليك بالجبل»، وهم في الجيش يقولون بأنهم قد سمعوا ذلك.
وورد عن العلاء بن الحضرمي –في أغلب التراجم التي ترجمت له– وكان الوالي على البحرين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبحرين هي أرض هَجَر التي بين عُمان والبصرة؛ هكذا في كتب التراجم: أنه كان يمشي على الماء، وأن المسلمين رأوه يمشي على سطح الماء، ومثل هذا يعني كثير. وكما قلت: ورد في طبقة التابعين، في طبقة الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين ومن جاء بعدهم.
قد يكشف العلم في يوم من الأيام عن بعض ما كان يُعد كرامة في وقت من الأوقات، وهنا –من باب التمثيل للمقاربة فقط– نجد أن بعض السحرة في واقعنا المعاصر اليوم –وأصبحت تُصوَّر لهم مشاهد، ولهم جماهيرهم، ولهم أيضا– يقومون بمثل هذه… أو يقومون بأعمال في ظاهرها أنها خارقة للعادة؛ كيف تَأتى لهؤلاء كسرُ قوانين المادة في هذه الحياة؟ الموضع الشاهد هنا لا في الطريقة، وإنما في أنه تحقق لهم انخرام ناموس الحياة وقانون هذه الحياة، القوانين المادية لهذه الحياة.
في المقابل، يعني يمكن أن يقال: ما المانع من أن ينكشف لبعض الصلحاء والأولياء ما يأتيهم الله سبحانه وتعالى ابتلاء وامتحانا لهم ولغيرهم، أن يؤتى هؤلاء ما هو خارج مألوف قوانين المادة في هذه الحياة الدنيا؟ لا يوجد ما يمنع من ذلك، وكما قلت هذه الشواهد يصعب تكذيبها.
لكن أيضا هذه المبالغات التي حصلت، وعدم التثبت، والمبالغة في النقل، وأيضا حمل أصحابها على أنهم مشهود لهم بالنجاح؛ هذا غير صحيح، لأنه ورد أيضا في كثير من الروايات –التي وردت عند من يثبت صحة المسيح الدجال– أنه سيؤتى من الكرامات ما يدفع الناس إلى الإيمان به، مع أنه مسيح دجال، وأنه يعني يُستعاذ منه، ومستحق للعن والطرد من رحمة الله تبارك وتعالى، ومع ذلك فقد –يعني– في كثير من الروايات، عشرات الروايات: أنه يأتي بهذه الخوارق غير المألوفة، بالكثير مما لا حصر له، فيدفع ذلك الناس إلى التصديق بما جاء به.
إذاً، لكن لا ينبغي لنا أن نخلط هنا بين إثبات الكرامة وبين تصديق كل ما يتم نقله؛ فهاتان قضيتان منفصلتان، وينبغي أن ننتبه لذلك.
بقي أيضا مما يستحق –مما تجدر الإشارة إليه– أن مثل هذه القضايا قد تستغلق على الأفهام؛ فمن الناس من لا تتسع مداركه لتصديق بمثل هذه الكرامات، تضيق نفسه، تضيق مداركه، هو في حجب وظلمات، من الناس من هو في جهل، نعم، ومن الناس من لهم طرائق شتى في هذه الحياة، فامثال هذه أيضا الحوادث والأخبار هي أيضا ليست مما ينبغي أن يتناقله الناس باستفاضة وبشهرة، وعند كل أحد: عند العالم والجاهل، عند الصالح وغير الصالح، عند ضعاف النفوس، عند المشككين، عند المرتابين؛ لا، لا ينبغي ذلك؛ يعني قد يُورث فتنة، أو يُحدث اضطرابا أو تشكُّكًا.
مثل هذه –إذا كنا نجد أنه في بعض الأحكام الشرعية، في بعض المرويات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم– نجد أن كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يتوخَّوْن الجمهور اللائق الذين يحضرون، كما حصل في القصة الشهيرة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ عندما كان في الموسم، وقال: «إنما كانت بيعة أبي بكر فَلْتَة»… فأراد عمر بن الخطاب أن يجمع الناس وأن يخطب فيهم، فنصحه –إما ابن مسعود أو ابن عباس رضي الله عنهما، شكٌّ مني في الرواية– بأن هؤلاء فيهم خَلَفَاء الناس من كل مكان، وفيهم الجاهل، وفيهم المتعلم، وفيهم ذوو الأغراض، لكن إذا عدت إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففيها صحبته عليه الصلاة والسلام الأول، وفيها خيار الصحابة وخيار المؤمنين، فاذكر لهم ما شئت، وهكذا فعل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
إذاً ليس كل ما يُعرَف يُقال، ولا كل ما يُقال حَضَر أهله، ولا كل ما حَضَر أهله حَضَر وقته.
جزاكم الله خيرا. أما فيما يتعلق بالمتلقي –نعم، كان سؤال المتلقي– يعني أنت إذا لم تتسع مداركك ولم تتمكن من استيعاب مثل هذا، فاللائق بك أن تتوقف، لا أن تُكذِّب، هذه هي نصيحتنا لهؤلاء؛ يعني:
«وإذا لم ترَ الهلالَ فَسَلِّمْ
لأناسنٍ رأَوْهُ بالأبصار»
صحيح؛ فلا ينبغي أيضا أن يخوضوا… إذا كان من باب النقاش العلمي والتثبت –والنقاش العلمي مبني على الاحترام المتبادل، وعلى حسن عرض الأدلة والمحاجة– فلا إشكال في هذا، وهذا أيضا له دوائره الخاصة التي لا ينبغي أيضا أن تكون لدى عوام من الناس الذين قد يدخلون فيزيدون النار اضطراما –للأسف– إشعالا –للأسف الشديد–.