⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الصلاة هي الصلة التي تصل هذا العبد بربه سبحانه وتعالى، وهي تجمع أنواع العبادات.
إذا الإنسان في صلاته إنما يتوجه إلى ربه، فهو حاج بمعنى أنه قاصد، ويؤم وجهه شطر المسجد الحرام، ومع ذلك أيضًا يمسك في حال صلاته عما يمسك عنه الصائم، وفي نفس الوقت الصلاة فيها تربية نفسية على مكارم الأخلاق، مما يدفع الإنسان إلى أن يسخو بماله ويبذل للفقراء والمساكين.
ونحن نرى أثر الصلاة فيما أنزل الله سبحانه وتعالى من بيان فوائدها، فحسبنا أن نقف عند القرآن الكريم. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]. فجملة ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ تعليل للجملة السابقة، جملة ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، لأن الجملة التي تأتي بعد الحكم مصدَّرة بـ"إنَّ" تفيد تعليل تلك الجملة السابقة، تفيد تعليل الحكم السابق، فهذا تعليل للأمر بإقام الصلاة.
ويبين الله سبحانه وتعالى أثر الصلاة في نفس الإنسان عندما يقول: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: 19-23]. فالله سبحانه وتعالى وصف الإنسان بحسب ما طُبع عليه من الخصال، طُبع الإنسان على هذه الخصال، لكن بماذا يستطيع أن يتغلب عليها؟ إنما يتغلب عليها بتكييف نفسه وفق أوامر الله سبحانه وتعالى، وتهذيب نفسه حتى تكون موصولة بالله سبحانه وتعالى.
هذا التهذيب وهذا التكييف إنما يبدأ بالصلاة وينتهي إلى الصلاة. الله سبحانه وتعالى وصف هؤلاء بصفات متعددة، ولكن ابتدأ هذه الصفات بقوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾، واختتمها بقوله: ﴿عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. فمعنى ذلك أن الصلاة هي أكبر عامل في الرقي بالإنسان حتى يتخلص من هذه الطبائع المذمومة التي طُبع عليها، فلا يتغلب الإنسان عليها إلا بحسن إقامته للصلاة، وبقية الأعمال التي فيها تهذيب للنفس تأتي تبعًا للصلاة، ولذلك ذُكرت مكتنِفة بذكر الصلاة في أولها وفي آخرها.
ويبين سبحانه وتعالى أيضًا أثر الصلاة عندما تُقام على وجهها الشرعي، عندما يقول: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 1-5]. قد كان السياق يقتضي أن يقول: فويل لهم، لأن الوعيد إنما هو وعيد على ما سبق، وعيد على التكذيب بالدين، ودفع اليتيم، وعدم الحث على طعام المسكين، ولكن جاء الوعيد: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، وقيم المظهر مقام المضمر، وقد كان هذا المظهر: ﴿الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، لماذا؟ لأجل الإشعار أن السهو عن الصلاة بحيث لا تُقام على وجهها الشرعي أو لا يُبالَى بها، هذا السهو هو الذي يجعل الإنسان يقع في هذه المهالك، وينغمس في هذه الموبقات.
فلا يمكنه أن يحوط نفسه بسياج يقيه هذه المعاطب إلا بالمحافظة على الصلاة بأدائها على الوجه الشرعي، بحيث يكون فيها مذكِّرًا لا ناسيًا، ولا مهمِلًا لنفسه، ولا مهمِلًا لصلاته.
وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على هذا المعنى نفسه، عندما قال: «أرأيتم لو أنَّ على باب أحدكم نهرًا جاريًا غَمْرًا، ينغمس فيه كلَّ يومٍ وليلةٍ خمسَ مرَّاتٍ، أيَبقَى من دَرَنِهِ شيء؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس». هذا مثل الصلوات الخمس، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرِّب للناس أثرها في النفوس، فصوَّرها بهذا التصوير، صوَّر لو أنَّ على بابِ أحدٍ من الناس نهرًا جاريًا غمرًا ينغمس فيه كل يوم وليلة خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس»، يعني الصلوات الخمس فيها طهارة كما أن النهر يطهِّر، ولكن فرق بين الطهارتين.
النهر ينظف ظاهر البدن، والصلاة تنظف عمق النفس أو عمق الروح، تتغلغل في أعماق الروح أو في أعماق القلب أو في أعماق النفس، وتطهِّر هذه النفس تطهيرًا من الأرجاس، وتجرِّدها من عيوبها، فلذلك كان أثر الصلاة أثرًا كبيرًا.
وهذا عندما تؤدَّى الصلاة على الوجه المشروع من بداية التكبير إلى التسليم، بحيث يكون الإنسان متجهًا إلى ربه، عندما يلفظ بأي كلمة يسبق معناها إلى ذهنه لفظُها إلى لسانه، حتى تتساوق معاني الكلمات في النفس كما تتساوق حروفها في النطق، لتكون النفس مستوعبةً لما يأتي به المصلِّي في صلاته.