⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
باستجابته لأمر الله عز وجل كما أمر.
أكثر ما ورد في كتاب الله تعالى مما يتعلق بالصلاة من الأمر بالصلاة: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وهذا مما لا يخفى على أحد.
نحن لو تأملنا في معنى الإقامة، لوجدنا أن هذه المعاني المتقدم ذكرها متحققة في هذا الأمر القرآني: ﴿أَقِيمُوا﴾؛ لأن الإقامة تعني أن يُؤتى بالشيء معتدلا مستقيما بلا عوج، كاملا بلا نقص، قويا بلا ضعف، مع المداومة.
أدلة هذا من اللغة نفسها؛ ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: 77] أي أصلحاه وجعلاه قويا معتدلا ومنعاه من أن يكون آيلا للسقوط، يُقال: قامت الحرب إذا اشتدت وقوي أوارها، ويقال: قامت السوق إذا زادت حركة البيع والشراء في السوق، قامت الشمس إذا انتصفت في كبد السماء؛ الإقامة فيها معنى القوة أيضا، والإقامة فيها معنى المداومة، يقال: أقام فلان في المكان إذا استقر وداوم ساكنا فيه، فأقام فيه إذا داوم عليه.
الإقامة أيضا فيها معنى الكمال بلا نقص –أعني إعطاء الشيء حقه وتوفيته كل شروطه بحيث لا ينخرم، لا يحصل خلل في ذلك الشيء–.
هذه المعاني كلها في هذا الأمر الذي يتكرر في كتاب الله عز وجل، وما ورد إلا مع ما هو معظم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾، ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، ما أتى إلا في أمر معظم، كان المأمور به أمرا معظَّما له أهمية قصوى في دين الله تبارك وتعالى، ما زاد عن هذه الخمس المأمورات.
إذاً دلالة الفعل ومنزلة المأمور به كلها تدفع المخاطَب لكي تستجيب نفسه لهذا المأمور به بأن يحب هذا الأمر؛ ولذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، تتشوق نفسه إلى الصلاة، يتذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «أرحنا بها يا بلال».
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: 28-29]؛ يريد أن يخرج من أثقال هذه الحياة الدنيا، ومن غلوائها وتجاذبات: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: 19-22].
إذاً تتحقق له كل هذه المعاني إذا أدرك هذه الغايات والمقاصد، فحينئذ تستجيب نفسه لكي تكون هذه المعاني وهذه الأخلاق حقيقة واقعة في نفسه.
حينما يصف قدميه مع إخوانه المؤمنين، فتجد أن تكبيرهم واحد، وأن ركوعهم واحد، وأن سجودهم واحد، وأنهم متجهون إلى قبلة واحدة، ليفكر في نفسه: ما الذي كان يمكن أن يجمعه مع هذا الذي أتى من أقصى البلاد، يختلف عنه في لغته، يختلف عنه في لونه، يختلف عنه في جنسه وجنسيته وعرقه، ولكن الذي جمعه إنما هو الصلاة، جمعه معه إنما هو الصلاة بأخوة الإيمان.
مشهد في الحقيقة غاية في الجمال والروعة حينما تجد ألوف المصلين يصفون أقدامهم، قبلتهم واحدة، تلاوتهم واحدة، ركوع وسجودهم وقيامهم وجلوسهم مشهد أخاذ، فتتعلق نفسه لكي يكون في ركب هؤلاء؛ فكيف وقد وعد الله عز وجل هؤلاء بالنعيم المقيم، ووعدهم بأن يورثهم طمأنينة القلب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، وتوعَّد أولئك الذين ينسلون من هذا المشهد بما تنفر منه الطباع السليمة، حينما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124].