⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، الإنسان عليه عندما يقوم إلى الله سبحانه وتعالى يصلي أن يستحضر بأن هذه الصلاة فريضة فرضها الله تعالى عليه، وهي صلة بينه وبين ربه، هو الذي يشرف بها، أما الله تعالى فهو غني عنها، وهو المفتقر إليها لافتقاره إلى ربه سبحانه وتعالى، والله تعالى هو الغني، وهو أحوج ما يكون إلى أن يحسن هذه الصلاة، ويشعر أنه شرف كبير لهذا العبد الضعيف الذليل الفاني الحادث المفتقر بأن يمثل بين يدي الله تعالى العزيز القهار الجبار المتكبر المبدئ المعيد، الذي بيده ملكوت كل شيء، ومنه مبدأ كل شيء، وإليه مرجع كل شيء، ومع ذلك أيضًا الله سبحانه وتعالى يسمع لهذا العبد كل ما يقوله، ويراه أيضًا في حركاته وسكناته، بل يرى ما تنطوي عليه فطرته، يرى ما في دخيلة جسمه فضلًا عن روحه وحركات هذه الروح، فهذا مما يستوجب أن يكون خاشعًا.
ومع هذا أيضًا عليه أن يكيف نفسه ويحرص على أن يحمل نفسه بأن تكون كلمات الصلاة التي ينطق بها يتسارع معناها إلى ذهنه أكثر من سرعة ألفاظها إلى لسانه، بحيث إذا مثل بين يدي الله تعالى وأتى بما أتى به من الذكر، استفتاح الصلاة، يستشعر هذا الذكر، ويستشعر النية، يستشعر إخلاص النية لله تعالى في وقوفه بين يديه، ثم يقبل على الله بكلمة: الله أكبر، ويدرك أن هذه الكلمة هي التي تفصل بين ما كان حلالًا له وما صار حرامًا عليه؛ كان يحل له أن يلتفت وأن يتحرك وأن يتحدث، وأما بعد التكبير فكل من ذلك صار حرامًا عليه، إنما عليه أن يقبل على ربه.
وعليه أن يستشعر معنى هذه الكلمة، فإنها تدل على أن الكبرياء لله تعالى وحده، فالله تعالى هو الكبير المتعال، وكل ما سوى الله هو صغير، ما من شيء إلا وهو صغير، مهما كانت قدرة هذا الشيء، ومهما كان حال هذا الشيء، ومهما كان كبره، فإن كل ما في الكون، السماوات والأرض كلها صغيرة بين يدي الله سبحانه وتعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44]. وعليه بناء على هذا أن يستشعر بأنه عندما يكبر فإنما يكبر تجاوبًا مع الكون الذي يكبر الحق سبحانه وتعالى، هذا الكون كله يكبر الله تعالى كما أنه يسبحه، فعليه أن يشعر ذلك لينتظم في هذه المنظومة الكونية، بحيث يكون دائمًا يدور في هذا الفلك، فلك هذا الكون المسبح بحمد الله، الخاضع لأمر الله، المستجيب لقضاء الله.
وعليه أن يدرك مع هذا أنه مهما أوتي هو في هذه الحياة من مقام وقدر وشأن فإنه ضعيف بين يدي الله تعالى، وأنه صغير، ولذلك ليس له أن يتطاول على أحد بسبب قدره وبسبب شأنه أو بسبب غناه أو بسبب منصبه أو بسبب سلطته، وإنما عليه أن يشعر أن كل شيء بيد الله، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، فكل شيء هو بيد الله تعالى، فعليه أن يستكين لأمر الله، وهذا يجعله متواضعًا غير متعالٍ على أحد من الناس لفقره أو ضعفِه أو لأي سبب من الأسباب، وإنما يشعر أن الناس جميعًا هم إخوان له.
وهكذا إذا أتى بعد ذلك بالاستعاذة ذكرته هذه الاستعاذة الحرب الدائرة بينه وبين الشيطان، وهذا يقتضي أن يكون في استعاذته لاجئًا حقًا إلى الله، بحيث لا تكون هذه الاستعاذة بلسانه فحسب، وإنما عليه أن يكون لاجئًا إلى الله لجوءًا حقًا بروحه وجسمه وعقله وقلبه وفكره ووجدانه، يشعر أن الشيطان عدو له فيأخذ حذره وحيطته حتى لا يغويه الشيطان ويضله.
وهكذا عندما يتلو ما يتلوه في الفاتحة الشريفة، وما يتلوه بعد ذلك من آيات القرآن الكريم، يستحضر معاني ذلك ليكون ذلك كله مؤثرًا عليه، وكذلك عندما يركع منحنيا لجلال الله يستشعر أنه بذلك يتواضع لعز الله تعالى وكبريائه، وكذلك في سجوده، وعليه أن يشعر بأنه هو أقرب ما يكون إلى الله في حالة سجوده، فعليه أن يستشعر عظمة الله في هذه الحالة التي تقربه إلى الله، وهكذا في حركاته وفي كل ما يأتيه من الألفاظ المعبرة عن جلال الله تعالى وعظمته في الصلاة، وعن حاجته هو وافتقاره إلى الله.