⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن حكم إسعاف المصابين وفيهم المرضى يعتمد على ثلاث مسائل:
أما المسألة الأولى، فهي مسألة حكم التداوي، فما حكم التداوي؟ إذ تحرير هذه القضية يُسعِف على فهم حكم إسعاف المصابين.
والمسألة الثانية –قبل أن نخوض في تفاصيلها نذكرها إجمالا– المسألة الثانية التي يتعلق بها حكم إسعاف المصابين هو اشتراط إذن المريض أو المصاب لمداواته.
والمسألة الثالثة، وهي أيضا مما يندر تعرض الفقهاء المعاصرين له، هو واقع الأنظمة والتشريعات المعاصرة المتعلقة بمزاولة مهنة الطب أو المتعلقة بحكم إسعاف المصابين والمرضى؛ فإن هذه المسألة أيضا هي مما يدخل في بيان حكم إسعاف المرضى.
إلى ما تبيَّنت تفاصيل هذه المسائل الثلاث سهل علينا بعد ذلك أن نتصور حكم إسعاف المصابين والمرضى.
أما المسألة الأولى، وهي حكم التداوي، فإن الأصل في التداوي أنه مشروع لأدلة في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويجب التداوي إذا كان العلاج ممكنا، وترك التداوي يمكن أن يفضي إلى تلف كلي أو جزئي، ويُقصد بالتلف الكلي أي فوات الأنفس، ويُقصد بالتلف الجزئي أي فوات بعض الأعضاء أو عضو من الأعضاء، أو كان المرض مُفضيا إلى إصابة الآخرين بالأضرار، أي أن يكون المرض معديا، فهذه من الحالات التي نص الفقهاء، ودلت أيضا قرارات المجامع الفقهية، على وجوب التداوي عندها.
فالأصل أنه مشروع، لكنه ينتقل من حكم المشروعية، أي الإباحة، إلى الوجوب في هذه العناوين الثلاثة؛ لأن تحت هذه العناوين تندرج تفاصيل كثيرة: إذا كان ترك التداوي أو كان المرض مفضيا إلى فوات الأنفس أو تلف لبعض الأعضاء وفوات منافعها، أو كان المرض معديا يمكن أن يصيب الآخرين بالأضرار وأن ينقل المرض إليهم، ففي هذه الحالة يتعين العلاج.
ومن الفقهاء من يرى بما تقدم أيضا من اشتراط كون التداوي راجحا، أي أن يكون الشفاء راجحا، أي أن يكون الظن غالبا على أن هذا العلاج ينفع المريض ويعينه على الخروج من مرضه ويعينه على حصوله على الشفاء؛ إذ هذا هو معنى التداوي: أن يكون الدواء مفيدا لذلك المريض.
وأما المسألة الثانية، وهي مسألة الإذن، فإنها تبع للمسألة الأولى؛ ففي الحالة التي يكون العلاج فيها مشروعا فإنه لا بد من أخذ إذن المريض، وهذا في حالة السَّعة. أما في حالة وجوب العلاج والتداوي –مع تذكر الحالات التي يجب فيها، وهي أن يفضي ترك العلاج إلى الفوات النفسية أو تلف أو أضرار بالآخرين– فإن أكثر الفقهاء لا يرون اشتراط إذن المريض؛ وذلك لأن التداوي هنا ليس حقا خالصا بالمريض، وإنما فيه حق لله تعالى وحق للمجتمع، كما أن فيه حقوقا للآخرين، ومن أجل ذلك رأوا أنه في مثل هذه الحالة لا بد من التداوي، وقد يكون التداوي في هذه الحالة ولو بالعزل أو الحجر الصحي في كثير من الأمراض التي يُخشى ضررها على المجتمع.
لكن لا ينبغي أن يفوت أن هذا التوصيف إنما هو في حالة السَّعة، أما في حالة الضيق –أي حتى في الحالات التي لا بد فيها، وهو الأصل، أنه لا بد من أخذ إذن المريض، لأن التداوي مشروع، فمن أجل ذلك يُشترط أخذ إذنه– إنما هو في حالة السَّعة، في حالة الإمكان. أما إذا ضاق الأمر كالحالات الطارئة، ومنها ما يستدعي الإسعاف الطبي أو الإسعاف الأولي، أو حالات الضرورة كالحوادث أو الإغماء، أو الحالات التي يتعذر فيها أخذ الإذن من المريض لشدة المرض ولضرورة التدخل العلاجي، فإنه في هذه الحالة يرتفع هذا الحكم ويصبح من اللازم، من الضرورة، أن يتدخل لإنقاذ هذا المريض وإسعافه.
وأما ما يتصل بالمسألة الثالثة، فهي تنبني –وقد تقدم ما يتصل بالمسألة الأولى والثانية– تنبني على كلا المسألتين؛ وذلك أن التشريعات المعاصرة قد جعلت إذن المريض –الإذن المبني على معلومة صحيحة، وعلى إخبار من الطبيب المداوي أو من الفريق الطبي بكل ما يتعلق بالمرض– فقد جعلت إذنه شرطا في مداواته، إذ لا يصح التدخل لعلاجه إلا بإذنه؛ فإن كان كامل الأهلية فإنه يؤخذ إذنه –أي المريض– وإن كان معدوم الأهلية أو ناقصها فإنه لا بد أن يؤخذ إذن وليه، ويُشترط في إذن الولي أن يكون لمصلحة المريض، فإن امتنع الولي في هذه الحالة –إذا أمكن أخذ الإذن منه؛ فنحن نتحدث عن حالة الضرورة التي يرتفع فيها حكم الأصل، يرتفع فيها حكم أصل أخذ الإذن من المريض نفسه– وإنما نتحدث أيضا عن حالة السَّعة، فامتنع الولي، فإنه ينتقل إلى الولي التالي إذا كان في امتناع الولي الأول إضرار بذلك المريض القاصر الأهلية.
وبعد بيان هذه يتبين أن حالات الإسعاف إنما هي من حالات الضرورة التي تستدعي تدخلا طبيا سريعا، تستدعي المبادرة، تستدعي التعجيل للتدخل لنجدة ذلك المريض أو إغاثته أو إعانته، وقد يكون التدخل بإنقاذه من هلكة، أو يكون التدخل بإجراء طبي يندرج ضمن ما هو معروف بالإسعافات الطبية الأولية... هذا هو حكم الإسعاف الطبي للمصابين والمرضى، سواء كان في حالة السَّعة أو في حالة الضرورة، والله تعالى أعلم.