⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أنتم تعلمون – دكتور سيف – أن في هذه المسألة خلافاً بين أهل العلم، بين الفقهاء المعاصرين، والذي استقر عليه رأي المجامع الفقهية وأكثر العلماء في هذه المجامع الفقهية رأيهم بجواز نقل الأعضاء وفقاً لشروط.
أهم هذه الشروط: عدم تضرر المنقول منه – المتبرع – وألا يكون هذا العضو المنقول مما تتوقف عليه حياته، وألا يكون أيضاً مما يؤدي إلى اختلاط أنساب، وفي المقابل أن ينتفع المنقول إليه انتفاعاً ظاهراً، وأن يكون المنقول منه متبرعاً قريباً للمنقول إليه أو أن يكون متبرعاً حتى وإن كان غير قريب، وتقدَّم أنه لابد أن تَتَرجّح مصلحة المنقول إليه وانتفاعه، وأن يترجح أيضاً عدم تضرر المنقول منه في الحال وفي المآل – أي في المستقبل – بحسب معطيات الطب وما وصلت إليه علوم الطب.
هذا القول هو الأوفى بجملة من الأدلة الشرعية.
أما الدليل الأول فهو قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]، والدليل الآخر هو ما جاءت به هذه الشريعة من إعلاء شأن كل ما فيه إنقاذ للنفس المعصومة، فكل ما كان من شأنه أن يؤدي إلى إنقاذ أنفس المعصومين فقد أعلى الشرع من شأنه وجعله من أعلى مراتب الإيثار.
وإن كان الله سبحانه وتعالى أثنى على من يؤثرون بأموالهم، فلا ريب أن الذين يؤثرون من أنفسهم بما لا يضر أنفسهم لا ريب أنهم في محل عالٍ من الثناء والقربى لله سبحانه وتعالى؛ فالله عز وجل يقول: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]، ويقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]. ويُقرِّر أن المؤمنين إخوة، فيقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، ويقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71].
ويقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم الوشيجة التي تربط بين المؤمنين فيما بين بعضهم البعض فيقول: «تَرَى المؤمنين في توادِّهِم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر»، فكيف إذاً لا يسوغ أن يتبرع الإنسان بعضو أو بجزء من عضو من نفسه لقريب له، لمعصوم الدم من إخوانه المؤمنين، لا يتضرر هو، ويكون في ذلك إنقاذ لأخيه أو لقريبه المؤمن؟
... وطبعا لا شك أن في المقابل هناك من يمنع ويستدل لذلك بأن الإنسان لا يملك نفسه ولا يملك أعضاءه حتى يتبرع بها، إلا أننا حينما نتأمل في الأدلة الشرعية نجد أن الله سبحانه وتعالى قد امتدح الذين يجودون بأنفسهم لإنقاذ المسلمين، أو أن يكون ذلك جهاداً في سبيل الله، أو أن يكون ذلك إنقاذاً لمسلم.
فيجوز للمسلم أن ينقذ أخاه المسلم من الهلكة والتلف إن غلب على ظنه أن في فعله ذلك إنقاذاً للمسلم، حتى ولو أدى ذلك إلى هلاكه هو؛ يعني قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، بيَّنته الآية بعده – هذا النوع من القتل المنهي عنه الذي هو الانتحار وقتل النفس – بيَّنته الآية بعده حينما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: 30]، فـ﴿عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ إما أن تكونا مفعولاً لأجله، أو أن تكونا مصدراً ينوب مناب الحال، وهذا يعني أن هذا الحكم معلَّل؛ فالذي يجود بنفسه عدواناً أو ظلماً هو الداخل في هذا الوعيد، أما الذي يفعل ذلك ردّاً لعدوان أو رفعاً لظلم، فإنه ممن امتُدِح في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأن جاز أن يجود المرء بنفسه – حتى ولو كان فيها هلكة لنفسه – مع إيقانه أو غلبة ظنه أن في ذلك إنقاذاً لأنفس الآخرين، فكيف لا يسوغ أن يتبرع ببعض أعضائه التي لا يؤثر تبرعه بها على صحته؟ وبالتالي ليس له أن يتبرع بقلبه ولا بعضو يكون نقله منه مُفضياً إلى وفاته، وإنما يمكن أن يتبرع بما لا يؤثر نقله على صحته أو ببعض ذلك، ويكون في ذلك مصلحة أو منفعة ظاهرة للمنقول إليه.