⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن قضية نقل الدم هذه قضية لم تكن مطروحة عند الفقهاء المتقدِّمين، وإنما كانت جديدة في العصر الحديث، إذ لم يكن العلاج في العصور السابقة بهذه الكيفية. لذلك عندما بدأ العلاج بهذا كان هنالك من الفقهاء من تحفَّظ ومنع، باعتبار أن الدم، وأن الله سبحانه وتعالى حرَّم الأنجاس وحرَّم الدم نفسه بالنص الصريح بأنه من جملة المحرَّمات، ولم يجعل الله شفاء هذه الأمة فيما حرَّم عليها، قالوا هكذا.
وكان لي موقف من أول الأمر، لأن هذا الكلام ينبغي أن يُنظر فيه، لأن الضرورة تبيح ما كان محظورًا، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾، الضرورة تبيح المحظورات، ومع هذا فإن عندما يكون العلاج يُضطر إليه الإنسان اضطرارًا وهو في الأصل حرام يصبح في حقه غير حرام عندما لا يجد ما يُغني غناءه ويسد مسدَّه، على أن الله سبحانه وتعالى أباح تناول هذه المحرَّمات الأربع التي نصَّ عليها القرآن الكريم وهي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهِلَّ به لغير الله، عند الاضطرار، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وعلى أي حال هؤلاء قالوا: بأن أخذ الدم من جسم الإنسان لنقله إلى جسم آخر بمثابة بتر عضو من جسده، إلا أنني وجدت أن الفوارق عديدة بين نقل الدم وبتر العضو: أولًا أن العضو لا تتماهى عينه أو لا تنعدم عينه، بل يبقى هو هو متحيِّزًا، لو نُقل من إنسان إلى آخر، ثم أيضًا لا يمكن أن يُستعاض عنه، بخلاف الدم، الدم يختلط بعضه مع بعض وتنعدم عينه ويتجدَّد الدم باستمرار، والعظم من ناحية أخرى أيضًا لا يستغني عنه الإنسان، ولا يسد مسدَّه ولا يُعَوَّض بغيره عندما يُبتر منه، بخلاف الدم، ومن ثمَّ إنما العضو الذي يُفصَل من حيٍّ هو ميت، والدم لا، والعضو له حُرمات والدم ليس كذلك، الدم يُراق، والعضو لو فُصِل من أحد فإنه له حُرمة الجسم الميت، إلى غير ذلك من فوارق عديدة.
فبكل هذه الاعتبارات نحن قلنا بأن أخذ الدم من جسم الصحيح لجسم المريض في حال الاحتياج إليه أمرٌ جائزٌ تُقرُّه الشريعة الإسلامية، وهذا الذي جرى عليه – والحمد لله – عمل الأمة، وقد أصبحت الأمة مجمعةً على هذا.
فإذا ثبت هذا، فإنه لا بد من مراعاة اعتبارات؛ منها: أن لا يكون المأخوذ منه الدم هو بنفسه أحوج إلى ذلك الدم، لأن لو كان أحوج إليه فليس له أن يتبرَّع، وإنما الطبيب يعرف مقدار ما يأخذ من هذا وما يعطي لذلك، ومنها أن تكون الجدوى في هذا حاصلة، مثلًا لو أُخذ من جسم أحدٍ لنقله إلى جسم غيره، والآخر لا يستفيد من هذا الدم، أيضًا هذا لا يجوز، ولكن عندما تكون الجدوى متيقَّنة فلا مانع من ذلك، والاعتبارات الطبية الآن تستطيع أن تُشخِّص الحالات بحيث يُعرَف ما إذا كان هذا النَّقل يُجدي فِدًى للسقيم ولا يضر الصحيح، وعلى هذا فعندما يُتيقَّن ذلك لا حرج من الإقدام على هذا الأمر.