⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
حتى نكون منصفين، فإن الواقع يؤكِّد بأن هذه الأمة في عمومها تمرُّ بحالة من التأخر الحضاري والتأخر العلمي، وللأسف الشديد صاحب ذلك –لا سيما في هذه الأعصار المتأخرة– أيضًا صاحب كل ذلك انحسار خُلُقي.
لكن في ظنِّي أن مبعث هذا التأخر أن التركيز كان على الفروع والتفاصيل لا على مناهج التفكير؛ فإن الذي نحتاجه قد لا يتمكَّن المعلِّم، ولا يمكن أن تُسعِف أيضًا حتى المادة العلمية التي يتلقَّاها طالب العلم، على الإحاطة بالفروع والتفاصيل، وإنما الذي نحتاج إليه هو غرس مناهج التفكير، مناهج البحث العلمي، مناهج علاج المشكلات التي تطرأ، مناهج التعامل مع الموافق والمخالف، مناهج التعامل مع ما نحب أو نكره من الحقائق العلمية، مناهج التعامل مع معطيات العلوم التي نتوصل إليها، المناهج التي تحدِّد لنا كيفية استخدام العلم استخدامًا صحيحًا وِفقًا لشرع الله تبارك وتعالى.
نجد –مثلًا– في العلوم الشرعية أنه لا يمكن الإحاطة بالفروع الفقهية، ولذلك لا بد من إتقان أصول الفقه؛ لأنه العلم الذي يبيِّن كيفية بناء الأحكام الشرعية من أدلَّتها الشرعية، وكيفية إثبات الأدلة الشرعية للأحكام التفصيلية، لا بد من ضبط القواعد حتى يمكن بعد ذلك بناء الفروع على تلك القواعد، وكل علم من العلوم لا بد له من مبادئ وقواعد أساسية أصلية.
حينما نتحدَّث عن علوم الرياضيات فهي لا بد لها من قواعد ومبادئ ومناهج، إن تمكَّن الطالب من تملُّكها في البيئة التعليمية التي هو فيها، فإنه سيسهل عليه بعد ذلك إيجاد حلول للمشكلات الرياضية والحسابية التي تطرأ له، وسيفهم منافع علم الرياضيات وكيفية تطبيق علم الرياضيات.
وكذا الحال بالنسبة حتى للعلوم المعاصرة، يعني تقنية المعلومات على سبيل المثال، هي من العلوم المعاصرة التي تشتد حاجة الناس إليها، لكن لا يمكن الإحاطة أيضًا بفروعها، لأن في كل لحظة نجد شيئًا جديدًا يحصل ويطرأ في هذا العلم، لكن هناك قواعد، هناك مبادئ، هناك مناهج، هذه يسهل مَلْكُها، ويسهل الإحاطة بها أو الإحاطة بأغلبها، حتى يسهل بعد ذلك على المتخصص أن يعالج هذه الفروع، وأن ينمِّي نفسه فيها.
الذي حصل أن هناك… ولذلك نجد أنه حينما تُشخَّص الإخفاقات الحاصلة في العملية التعليمية، نجد أن هناك تركيزًا على الأثر لا على العلة والسبب، والأثر عند هؤلاء أن العملية التعليمية تقوم على التلقين وعلى الحفظ، ولا تقوم على الفهم والعقل والتدبر، وفي هذا القول نصيب من الصحة، إلا أنه ليس هو العلة الحقيقية.
العلة الحقيقية التي دفعت الطالب –على سبيل المثال، أو حتى المعلِّم في كثير من الأحيان– إلى أن يركِّز على التلقين والحفظ أن هناك غيابًا للمناهج اللازمة لأجل أن يتقنها الطلاب، والمعلمون قبلهم، حتى يسهل تعامُلهم بعد ذلك مع مختلف العلوم والآداب.
خذ على سبيل المثال ما يواجهه اليوم أبناؤنا وبناتنا من فتن فكرية، من إخفاقات مبنية على شبهات وأباطيل يثيرها خصوم هذا الدين، مما يتعلَّق بذات العقيدة الإسلامية، نحن لا نجد في مناهجنا أن هناك تخطيطًا راشدًا واضحًا يعلِّم الطالب كيف يستخدم عقله في مواجهة مثل هذه الشبهات والأباطيل، مع أن هذا ليس بالأمر المستحيل، بل ليس هو بالأمر الصعب، إنه أمر سهل يسير مقدور عليه، لأنه ينبغي أن يكون قائمًا على منهج تُوضَع معالمه للطالب، ويتقن المعلِّم المؤهل تعليمه للطلاب، حتى يتمكَّنوا بعد ذلك هم من التصدِّي لمثل هذه الشبهات والأباطيل…