⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن استقراء آيات الكتاب العزيز، والنظر في بعض الآيات القرآنية، يؤدي بنا إلى لطيفة من اللطائف التي يشتمل عليها كتاب ربنا عز وجل. هذه اللطيفة تجعل من العملية التعليمية أمرًا لا مناص من أن يقوم على ثلاثة عناصر. هذه العناصر الثلاثة أو المقومات نجدها في مطلع سورة الرحمن، فالله عز وجل يقول: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾.
في بداية هذه السورة الكريمة نجد أن الله سبحانه وتعالى يذكر اسمًا من أسمائه الحسنى، هذا الاسم اختاره ليكون «الرحمن»، فبه مفتتح هذه السورة الكريمة، ولم يرد اختيار هذا الاسم إلا لدلالات بالغة ومعانٍ عميقة أراد الله سبحانه وتعالى أن يلفت الأنظار إليها، فالله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾.
ثم يقول: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾. هذه الكلمات الثلاث من هذه السورة الشريفة تشتمل على ما هو أقرب إلى صياغة نظرية حول التعلُّم والتعليم في الإسلام، فلا بد من جودة المنهج، وجودة المنهج مأخوذة في هذه الآية الكريمة، أو في هاتين الآيتين الكريمتين عند من يرى من أهل العلم أن ﴿الرَّحْمَنُ﴾ آية، و﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ آية ثانية.
مبعث جودة المنهج هو أن الله سبحانه وتعالى امتنَّ على بني البشر، على هذا الإنسان، بأنه علَّمهم القرآن، أو علَّم نبيه الخاتم المبعوث فيهم القرآن، فامتنَّ جل وعلا قبل أن يمتنَّ عليهم بخلقهم؛ لأنه ورد في الآية التالية: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾، وقبل أن يمتنَّ عليه بنعمة العقل والبيان، قال: ﴿وَعَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، قال قبل كل ذلك: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾. فكان المقصود من الإخبار في هذه الآية الكريمة أن يمتنَّ الله عز وجل على عباده بخير منهج أوحاه إلى نبيهم الخاتم ليبلِّغهم إياه.
فدل ذلك على أن العنصر الأظهر هو المنهج، هو جودة المنهج الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور، والذي يبدد عنهم سُجُف الضلال والغواية، والذي يبعث فيهم نور العلم الذي يبصرهم بحقائق هذه الحياة وبحقيقة…
إلا أن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة قال: ﴿عَلَّمَ﴾ ولم يقل: «أعلَمَ»، لأن «علَّم» تعني إظهار الخبر، كشف المعلوم للمتعلِّم شيئًا فشيئًا، والاستمرار مع التدرج في إظهار المعلوم له، في إظهار ما يُراد كشفه وتعليمه إياه له، فهي عملية مستمرة. وموضع الشاهد هنا أن الله سبحانه وتعالى أسند هذا التعليم إلى نفسه، والله عز وجل حينما يضيف إلى نفسه صفة من الصفات، من صفات الأفعال فينسبها إلى نفسه، فإن ذلك دليل على شرف هذا الفعل، وفي ذلك دعوة للعباد إلى أن يأخذوا من هذه المشكاة الربانية هذه الجَذوة لكي يحقِّقوها في واقعهم.
فالله عز وجل أسند هذا الفعل إلى نفسه، وفي هذا تشريف للعلم، لأن الله عز وجل هو الذي علَّم العباد، وهو الذي علَّم نبيه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم، هو الذي علَّم الناس كافة؛ سواء قلنا بأن المفعول به محذوف، فالله عز وجل علَّم القرآن، لكن علَّمه لمن؟ وعند المفسرين هناك قولان: قول بأن المعلَّم هو نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقول بأنه تعليم للناس كافة، والقولان يلتقيان؛ لأن نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام قد أُمر بتبليغ هذا الذي أوحي إليه إلى الناس كافة، والله تعالى يقول: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، ويقول واصفًا دعوة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وقال امتنانًا، مما يؤكد أهمية هذا العنصر، وهو كفاءة المعلِّم، وهو العنصر الثاني، كفاءة المعلِّم، قال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. فسواء قلنا بأن صفة التعليم أضيفت إلى الله عز وجل، وبالتالي فإن العباد مدعوون إلى أن يأخذوا من هذه الصفة، وهي أشرف ما ينتسبون إليه ويسلكون بأنفسهم فيه، أو قيل بأن المقصود هو نبينا محمد، ولا ريب أنه خير معلم عرفته البشرية على الإطلاق، إذًا هذان هما العنصران المأخوذان من قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾: جودة المنهج، وكفاءة المعلِّم.
أما الكلمة الأولى، وهو اسمه جل وعلا «الرحمن»، فإنه مع ما يشتمل عليه أيضًا من لطائف تفسيرية، إلا أن من ضمن هذه اللطائف أن الله عز وجل اختار هذه الصفة للدلالة على أن الآتي عقبها محتاج إلى ما تشتمل عليه من معاني الرحمة، من معاني الشفقة والتربية والأخذ بالعناية والصناعة على هذه المنظومة من القيم والأخلاق المبنية على هذا الأصل المتين من مبادئ الأخلاق، وهو صفة الرحمة.
فالرحمة مقصودة لذاتها، ولِما تدل عليه من منظومة القيم والأخلاق التي تُبنى عليها العملية التعليمية: من الصلة بين المعلم والمتعلم، ومن الصلة مع المنهج الذي يُعلَّم ويُدرَّس. وهذا أيضًا يتأكد في سياقات أخرى في كتاب الله عز وجل، ومنها السياق السابق: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، ومنها في قصة موسى عليه السلام مع الرجل الصالح، فإن الله تعالى حينما ذكر الصفات المؤهِّلة لهذا الرجل الصالح الذي أُمِر موسى أن يتعلم منه، قال: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾، فذكر أنه قد آتاه رحمة، ثم امتنَّ بأن علَّمه من لدنه علمًا، فآتاه رحمة من لدنه، هذه الرحمة تجعله قادرًا على أن يؤدي رسالة العلم، وأن ينفع غيره، وأن يأخذ بأيديهم إلى أن ينفوا عن أنفسهم الجهل، وأن يتدرجوا في سُلَّم العلوم والمعارف التي يحتاجون إليها.
فإذًا هذه هي المقومات الثلاثة التي نفهمها من هذه الآية الكريمة ومن سياقات أخرى كثيرة في كتاب الله عز وجل. أما العنصر الأول –للتلخيص– فهو منظومة القيم والأخلاق، وأما العنصر الثاني فهو كفاءة المعلم، وأما العنصر الثالث فهو جودة المنهج. بدون هذه الأصول الثلاثة أو المقومات الثلاثة فإن العملية التعليمية لا تحقق أغراضها، ولا تؤدي مقاصدها، ولا توصل إلى نتائجها، وإنما تكون مجرد محاولات…