⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هي جملة قضايا كلها مهمة في هذا السؤال دكتور، لكن أولًا لنقف قليلًا عند مطالبة تبدو سائغة ومثيرة، وهي: لماذا لا يستقل المسلمون بنظامهم التعليمي؟ وعند إمعان النظر الشرعي فهناك ما يسوغ هذه الدعوة، لكن ليس إلى الحد الذي يتصوره كثيرون؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن، حيثما وجدها فهو أحق بها.
ونحن نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن الخلفاء الراشدين رضوان الله تعالى عليهم، انتفعوا واستفادوا من المهارات والفنون والعلوم والمعارف والتجارب التي كانت لدى الأمم الأخرى، سواء كان ذلك في تدبير شأن الدولة أو في كيفية التعليم وإقامة المؤسسات أو في إقامة أول الحياة كلها في أنظمتها الاقتصادية والمالية وفي الجوانب الإدارية، استفادوا من غيرهم. فليس مطلوبًا من المسلم أن يكون في كل شأن مستقلاً ما لم يتصل ذلك بأمر يمس عقيدته أو يصوغ له هويته بشكل جوهري؛ فإن المعرفة والحكمة تراث إنساني، على المسلم أن يسعى إلى الاستفادة والانتفاع، وأن يضيف إليه بعد ذلك ما يحتاج إليه وما يُعينه على تشكيل هويته وصناعة تفكيره بما يتوافق مع أسسه ومبادئه.
لأن دعوة الاستقلال في كل أمر مغرية مثيرة، وهي تلقى رواجًا أيضًا عند الجماهير، لكن هل طُلِب من المسلمين أن يحوزوا قصبات السبق في هذه الشؤون؟ لا دليل شرعي على ذلك. الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول –أو في الرواية: قال هممت أن أنهى عن الغِيلة، أو قال: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة فعلمت أن فارس والروم يفعلونه ولا يضر أولادهم– فعل عليه الصلاة والسلام لأنه استقى ذلك من فارس والروم، وكان يُسأل عليه الصلاة والسلام عن كثير من الأنظمة الموجودة في الحضارات من حوله ولدى الأمم والشعوب من حوله، وكذلك كان أصحابه رضوان الله تعالى عليهم؛ في الشأن العسكري، في التخطيط العمراني استفادوا كثيرًا مما لدى غيرهم، وهكذا الشأن في تاريخ الإسلام والمسلمين.
لكن –قل كما قلت– ينبغي أن تُصاغ هذه الأنظمة التعليمية وفقًا لمبادئنا وأسسنا، وبما لا يتعارض أبدًا مع شيء من عقيدتنا وشريعتنا، وكذلك لا بد أن يتناسب مع منظومتنا الأخلاقية، ثم مع مطالبنا –لعموم هذه الأمة– مطالب كبرى مما يتعلق بوحدة كلمتها واجتماع شملها وقدرتها على أن تكون أمة، وأن تكون هذه الأمة في مكان القيادة والريادة لغيرها من الأمم، وأن تكون ناشرة للعدل، باسطة للخلق القويم، أن تكون صاحبة مشروع حضاري في الإنسانية، وهذا المشروع يقوم على الرحمة وعلى الإنسانية، يقوم على العدل والإنصاف، يقوم على التعاون والتكامل، على البر والخير والمعروف.
هناك أسس تُصوغ هذه المقاصد الكبرى لهذه الأمة، لكن أنا فقط وقفت عند قضية أنه لا بد لنا من الاستقلال: ننتفع من غيرنا، نستفيد، نضيف إليه ما نحتاج إليه، سمينا هذا استقلالًا، سمينا هذا انتفاعًا، سمينا هذه حكمة، ليكن ما يكون؛ حتى لا نقع ضحايا لإغراء مثل هذه المطالبات، يجب أن ننظر إليها بعمق وبناءً على الأسس الشرعية التي نستند إليها.
كان المقصود هو أن تكون هناك خطوات جادة وعملية، ليس بالضرورة أن تكون في نفس السلك التعليمي والأنظمة التعليمية القائمة، إنما يكون عملًا موازيًا نستطيع من خلاله أن نحقق قدرًا مما نتمناه.
كل الذي تقدَّم ذكره في هذا الموضوع إنما يدعو إلى أن تكون للمسلمين رؤيتهم فيما يتعلق بالتعليم؛ هذه الرؤية لها مقاصد كلية كبرى، أما مع غياب هذه الرؤية المقاصدية فإنهم حينئذ سيُقلِّدون غيرهم، ومن كانت له الغلبة كان التقليد له، فلن يحققوا شيئًا من غاياتهم هم ولا من المقاصد التي يرتضونها، وسيظلّون هكذا تابعين لغيرهم، وهذا هو المحظور.
ولذلك قلتُ: إنه لا يصح أن يمس عقيدتنا أو شريعتنا أو منظومتنا الخُلُقية أو يتعارض مع رسالتنا في هذه الحياة.
فهذا المثال الذي ذكرتموه مثال جيد؛ لأن الفوارق فيه ظاهرة وتصلح للاِستشهاد في تأسيس وصياغة البنية الذهنية التي نتحدث عنها، لكن في كثير مما يتعلق بالمناهج التعليمية والمعلومات الفرعية الجزئية التي يتلقاها المتعلمون في مختلف أنواع الفنون والعلوم والمعارف، فإذا كانت صالحة لإنتاج معرفة ومحققة للأغراض التي تُراد من إنتاج صناعات، من إنتاج مهارات، ومن التقدم العلمي والريادة في ميادين العلم والمعرفة، فلا يصح للمسلمين أن ينزَوُوا عن الاستفادة من هذه المناهج مع صياغتها بما يتناسب مع رؤيتهم ومع الأسس التي ينطلقون منها.
جزاكم الله خيرًا.