⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا يصعب أن نقول بأن نحدّد ما هو الأفضل؛ إذ قد يكون من الحضور من يتتبّع الرخص، ومن يريد أيضًا أن يتتبّع المثالب على علماء آخرين، وعلى مجتهدين لهم أيضًا حظٌّ من النظر في تلك المسائل، وقد يكون في الحضور – أو أغلب الحضور – من هم من أهل الصلاح والخير والتقوى فيمنعهم دينهم من أن يتتبّعوا الرخص ويُلفِّقوا في الدين؛ ولذلك فإنه لا بد من مراعاة نوع الجمهور.
أحيانًا يلجأ أهل العلم إلى بيان الأقوال في المسألة الواحدة لجملة مقاصد، منها بيان سَعة هذه الشريعة، بيان عُمق نظر المجتهدين الذين تعدّدت آراؤهم بحسب ما رجعوا من أدلة أو رجّحوه من قواعد وأصول فقهية يستندون إليها في التعامل مع هذه الأدلة، وأحيانًا يعمدون إلى ذلك لتجنّبٍ لأنهم متوقّفون في المسألة، وليس من السهل أن يُرجِّح العالم قولًا، لا كما يظن بعض طلبة العلم من أن ترجيح قولٍ على قول هي مسألة يمكن أن تتحصّل لِمَن طالع كتابًا أو كتابين.
ويحسبون – للأسف الشديد – أن في نصحهم بلا يتعجّل مصادرةً لفكرهم، لا، ليس الأمر كذلك؛ لأن الأصل المستند في هذا هو أن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، ويقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7]، ويقول: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ و﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ في كتابه الكريم تكرّرت كثيرًا؛ للدلالة على أن الجاهل الذي لا يعرف الحكم الشرعي ليس له أن يتقدّم وأن يأتي بجواب من عنده ولو رأى أقوالًا يسطرها العلماء في دواوينهم وكتبهم أو يحكونها في محاضراتهم ومواعظهم ودروسهم، فيأتي هذا الجاهل ويختار لنفسه ما شاء، لا، ليس الأمر كذلك، بل لا بد من التقَيّد بهذه القواعد الشرعية.
وكذا الحال بالنسبة إلى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من أُفتيَ مسألةً أو فُسِّرت له رؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئرًا لا قعر لها، ولو أنه أصاب الحق»، فهذا الحديث أيضًا دليل واضح على أنه لا يصح للإنسان أن يتقول في حكم الله عز وجل في مسألةٍ ما من تلقاء نفسه، ولما يتحصّل على الملكات العلمية اللازمة التي تعينه وتؤهله لكي يقول في مسألة ما برأيه.
وليس الأمر مقتصرًا على العلوم الشرعية؛ هكذا نجد في سائر العلوم بمختلف أنواعها: ليس لعاميٍّ أن يتحدّث في مسائل الطب لأنه سمع أو أصغى أو أنصت إلى محاضرة من طبيب، وذكر فيها – على سبيل المثال – تشخيصًا لمرض معيّن ثم ذكر بعض وسائل العلاج بين طب تقليدي أو طب معاصر أو جراحة أو غير ذلك، فيأتي هو يختار لنفسه؛ لأنه قد يفضي إلى أن يُهلك نفسه أو يُهلك غيره ممن يحتاج إلى مشورةٍ طبية من متخصص، وكذا الحال بالنسبة حتى إلى ما نعرفه نحن اليوم من الأمور الإدارية أو الأمور القانونية، مع وضوحها لكنها مع ذلك تحتاج إلى مختصين.
فمن باب أولى أن تكون العلوم الشرعية، وأن يكون القول عن الله سبحانه، عن الله تعالى في مسألة أو نازلة أو واقعة إنما يكون مستندًا إلى هذه القواعد والضوابط العلمية التي لا بد منها.