⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه شبهة ضعيفة، لا يُتكلَّف في الردِّ عليها؛ لأن هذا الذي يقول مثل هذا القول لا يعرف حقيقة السيرة والتاريخ؛ فإن المهاجرين رضوان الله تعالى عليهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام، إنما أُخرجوا من ديارهم وأموالهم، فظُلِموا واعتُدي عليهم في أنفسهم وفي أموالهم وفي أولادهم، فجُرِّدوا من كل ما يملكون، واستولى أهل مكة على أموالهم وعلى دورهم وعلى كل ما يملكون، وحالوا بينهم وبين أولادهم، وهذا الذي دفعهم إلى الهجرة.
ومن أجل ذلك فإن هذا القياس الوارد في هذه الشبهة لا يصح أصلًا؛ لأن ربنا تبارك وتعالى بيَّن، قال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ بأنهم ظُلِموا، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، فبيَّن أنهم قد ظُلِموا: ظُلِموا في أنفسهم، وظُلِموا في أموالهم.
فما تحرَّاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة ومعه المؤمنون إنما هو استرداد لبعض حقوقهم المسلوبة، فهذا هو المعنى الأول.
والمعنى الثاني: هو أن ما فعله أهل مكة بالمسلمين، برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام، بالنكاية فيهم في أنفسهم، وبتعذيبهم، وبمحاصرتهم، وبالعدوان على أموالهم وعلى دورهم، هو إعلان حرب؛ ولهذا كان أهل مكة حريصين على ألا يصل رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة، لأنهم يعلمون أنه بوصوله فإنه سيبدأ في تكوين مجتمعٍ مسلمٍ يُناهِضهم ويُناصِبهم العداء، وهذا كان واقع الحال.
ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام استمر في دعوتهم مع فرض هيبة المدينة المنورة عليهم، ولهذا بدأ بتقطيع طرق التجارة لأجل محاصرة أهل مكة بعد ما فعلوه في المسلمين، وبعد مناصبتهم العداء، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أُذِن له أن يقابلهم بالمثل، وكان أصحابه رضوان الله تعالى عليهم ينتظرون هذا الإذن وهم في مكة المكرمة، وكان أهل مكة يعرفون أن هذا حاصل لا محالة؛ ولهذا فإن أبا سفيان كان يخشى من هذه المواجهة، فقد أرسل إلى أهل مكة أن العير قد سَلِمَت، وأمرهم بالرجوع، فأصرُّوا، قالوا: لا، حتى نصل إلى بدرٍ وننحرَ جَزورَنا ونشربَ خمورَنا وترقصَ غوانينا… إلى آخره مما ذكروه بطرًا ورِئاءَ الناس كما وصفهم الله تبارك وتعالى.
ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم –لتأكيد أنه لم يكن المقصود هو مجرد استرداد الأموال المسلوبة ورد المظالم التي أخذها أهل مكة– هو أن العير لما فاتتهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابَه لم يرجعوا إلى المدينة المنورة، ومع شدة رغبتهم في أن يحظوا بغير ذات الشوكة كما حكى القرآن الكريم: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، ولكن بيَّن الله تبارك وتعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.
فإذا هذه هي الوجوه التي نفهم بها هذا الحدث وسياقَه، وما احتفَّ به، وما كان قبله، وما دفع أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما دفع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار معه إلى الخروج في بدر: استرداد بعض الحقوق، فرض الهيمنة، ومحاصرة قريش، ودفع المظالم، ردُّ هذه المظالم عن أنفسهم، وتأمين أمنهم وسلامتهم، كل هذه المعاني هي التي كانت في بدر.
والله تعالى أعلم.