⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لنَفترض – للإجابة على هذا السؤال – أن كل واحد منا يسأل نفسه عما كان يمكن أن يكون عليه حاله بدون هذه الشريعة التي ينتسب إليها؛ على مستوى الفرد، وعلى مستوى أسرته ومجتمعه، ثم ليوسِّع الدائرة قليلا وينظر: كيف كان يمكن أن يكون حال أمته بما هي عليه من حضارة، وبما ورثته من تراث حضاري، وبما هي عليه الآن – رغم تكالب الظروف والأحوال – كيف يمكن أن يكون حالها بدون هذه الشريعة؟
إذا ما أنصفنا أنفسنا في الإجابة على هذا السؤال فإنه يمكن لنا حينئذٍ أن ندرك جانبًا من جوانب الإجابة على السؤال الذي تفضلتم به، وهو – يعني – وكأنكم تشيرون إلى مسألة: هل هذه الشريعة فعلا يراد لها أن تكون مستوعِبةً للمتغيرات، أم أن هذه دعوة من العلماء والمفكرين والوعاظ والمشتغلين بعلوم الشريعة؟
والمقدمة السابقة – إذا ما سأل كل واحد منا نفسه بإنصاف عما يمكن أن يكون عليه حال نفسه مع نفسه، ومع أسرته، ومع مجتمعه، وكيف كان يمكن أن يكون حال مجتمعه، وحال أمته، وحال أوطان المسلمين – يمكن أن تُسعِف على الإجابة على هذا السؤال.
وإذا ما تقرر أيضًا من كون هذه الرسالة المحمدية هي ختم النبوات قبلها، فإن هذا يستلزم أن تكون الشريعة التي جاء بها نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند ربه شريعةً جامعةً شاملةً للمتغيرات والمستجدات التي تطرأ في حياة الناس.
والله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]؛ فهذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى أراد لشريعته التي أنزلها على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم – ابتداءً – أن تستوعب وأن تحتوي ما يطرأ في حياة الناس من متغيرات ومن مستجدات.
وكذا الحال بالنسبة إلى جملة أيضًا من الأدلة القرآنية؛ منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 161-162].
فالممات عند كل واحد هو امتداد لحياة الجنس البشري، وطالما أن هذه الحياة إنما هي لله عز وجل، وجاءت في سياق بيان مفردات الدين الموافق للفطرة الذي ينتسب إليه هذا المخاطَب، فأن تكون الحياة والممات – مع النسك، مع الصلاة – لله عز وجل من قِبَل هذا المكلَّف، فإن هذا بالضرورة يعني – لأن من طبيعة الحياة أن تطرأ فيها المتغيرات، وأن تستجد فيها الحوادث، وأن ينمو فيها الإنسان في مجالات متعددة – فهذه الحياة مع تجددها ونموِّها وازديادها لا بد أن تكون في كل حركتها موافقةً لهذا المفهوم المقرَّر في هذه الآية الكريمة، وهي أنها جزء مما يتعبد به المرء ربه جل وعلا.
وهذا أيضًا حينما نجد في كتاب الله عز وجل أن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]؛ «إذا دعاكم لما يحييكم»، أي حينما يدعوكم لما فيه حياتكم، والحياة مستمرة إلى أن يرثها خالقها جل وعلا، واستمرارها مؤذنٌ بطروق التغيرات فيها، وبالتالي فإن ما يدعو إليه هذا الدين فيه حياةٌ لهؤلاء المخاطَبين، حياةٌ لأرواحهم، لنفوسهم؛ لأنها – كما أن الشريعة في معناها اللغوي كما تقدَّم هي مورد الماء العَذْب الغزير الذي يُستقى منه بيسر وسهولة ودون عناء، فتروي ظمأ العطش – فكذلك هذه الشريعة تحقق لأنفس المخاطَبين ولأرواح المؤمنين ما يطفئ ظمأ أشواق هذه الروح، فيصل هذه الأرواحَ ببارئها، ويبيِّن لها حقيقة وجودها في هذه الحياة، ويذكرها دومًا بالمآل والمنقلب الذي ستصير إليه.
وهذا يعني أن الحياة ستكون موسومةً بالحيوية والتجدد، وبالتالي كان لزامًا أن تكون الشريعة التي تتناول هذه الحياة متجددةً أيضًا، وأن تكون أغصانها باسقةً، وفروعها ناميةً، والنظر فيها والاجتهاد متجدِّدًا بما يجدِّد للناس دينهم وصِلتهم، ويجدد أمر شريعتهم من حيث البناء على ما أنزله الله سبحانه وتعالى.
وأنا أقصد هنا أن أصل الشريعة إنزالٌ من عند الله تبارك وتعالى، لكنها ليست قوالب جامدة، وإنما أتاح الله عز وجل لعباده أن يعملوا ما آتاهم من مَلَكات الفكر والعقل والنظر في هذه الشريعة؛ لكي يستنبطوا الأحكام الشرعية الجديدة التي تتناول المفردات المستجدة والنوازل المتغيرة.