مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

مشروعية النقد في الإسلام

ما هي النصوص والأصول الشرعية التي تجعل للنقد مساحة معتبرة في الإسلام، وما مشروعيته في التعامل مع الأدلة الشرعية؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهِّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم. أما بعد؛ فإن النقد كفنٍّ من الفنون الأدبية هو مصطلح ناشئ حديث كما تفضلتم، أما النقد كصنعة عُوملت بها جملةٌ من العلوم الشرعية، فهو في الحقيقة مصطلح قديم؛ فقد وُجد علم نقد الحديث النبوي الشريف، ووُجد فن نقد الرجال فيما يُعرف بالجرح والتعديل، وتبارى الأدباء أيضًا في نقد الإنتاج الأدبي لبعضهم البعض بما نعرفه نحن اليوم، أو بما أُطِّر في العصور المتأخرة بالنقد الأدبي. لكنه من حيث استعماله في علوم الشريعة فإنه مصطلح قديم، ولا أُبالغ إذا قلت بأنه نشأ مع نشأة علوم الحديث: مصطلحًا ورجالًا وجرحًا وتعديلًا وما يتصل بعلوم الحديث، ثم امتد بعد ذلك أيضًا ليشمل علوم القرآن الكريم تفسيرًا وأحكامًا. والنقد في ذاته يصدق على نوعين اثنين؛ لأنه في اللغة يصدق على معنيين: أما المعنى الأول الذي يصدق عليه النقد، فهو تمييز الطيب من الخبيث من الدراهم، يُقال: نَقَدَ الدراهم إذا ميَّز جيِّدَها من رديئها وطيبَها من خبيثها، وهذا نقدٌ حسن مقبول محمود؛ لأنه –فيما نعرفه نحن اليوم– يتناول التصحيح والمراجعة وإظهار الحسن ومحاولة تصحيح الرديء وتقويم الشيء المعوج، نعم، هذه المراجعة والتصحيح والتقويم هي داخلة في هذا النقد المحمود المقبول؛ لأنه كما قلت مأخوذ من معناه اللغوي الذي هو نقد الدراهم بمعنى تمييز الجيد من الرديء منها. وهناك نقدٌ بمعنى تتبُّع المثالب والعيوب، وهذا نقدٌ مذموم، وهو يصدق في اللغة على تتبُّع العورات وإظهار المساوئ وغمط الحقوق، وهو كذلك أيضًا في الاستخدام الشرعي؛ لأن هذه الخصال عُدَّت من الخصال الذميمة، وكان النقد المبني على هذه الأسس –أي على تتبُّع العورات وإظهار المثالب والعيوب– نقدًا مذمومًا. أما النقد الأول، وهو النقد المحمود القائم على تمييز الصواب من الخطأ، والطيب من الخبيث، والجيد من الرديء، فهذا يجب أن تتسع له الصدور؛ لأنه ينبثق من أصول شرعية أصيلة. أول هذه الأصول هو جملة الآيات القرآنية التي حثت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن تمييز الخبيث من الطيب، وإظهار الجيد، وإصلاح الرديء، هي من صميم الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي وُصفت به هذه الأمة في غير ما موضع من كتاب الله عز وجل، من نحو قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 110]، وقوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]، فتبوُّؤ هذه الأمة لهذه المنزلة إنما نِيطَ بقيامها بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا هو الأصل الأول الذي يندرج تحته هذا النقد المحمود. وكذلك هناك النصوص الشرعية المتصلة بالنصح لله سبحانه وتعالى، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر؛ فالله سبحانه وتعالى قال في شأن المؤمنين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: 160]، وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «الدين النصيحة»، فالنقد المحمود الذي يدعو إلى التقويم والمراجعة والتصحيح وتغيير المنكر والنهي عنه، وإعلاء شأن المعروف والدعوة إليه، كلها تندرج في هذه الأصول الشرعية. أي تقدَّم أن الأصل الأول هو أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم الأصل الثاني هو أصل التناصح المأمور به في هذا الدين، ثم التواصي بالحق أيضًا المأمور به في هذا الدين، والذي هو من خلال المؤمنين وشِيَمِهم التي تُبلِّغهم رضوان الله تبارك وتعالى. ثم إنه أيضًا مُندرج في الإصلاح، والإصلاح مبدأٌ أصيل في هذا الدين: إصلاح كل مظاهر الحياة؛ إصلاح المعتقد، وإصلاح الأخلاق وتهذيبها، إصلاح أوجه الحياة فكرية كانت أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، كل ذلك يندرج في الإصلاح الشامل الذي جاء به هذا الدين، فهو دعوة إلى الإصلاح بكل وجوه الإصلاح؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]، أي بعد أن أوجدها الله تبارك وتعالى صالحة، فنهى جل وعلا العباد عن الإفساد في الأرض بعدما وُجدت صالحة، وهذا يشمل نوعي الإصلاح في هذا السياق، وهما: تقويم ما فيه خلل، وزيادة صلاح الصالح؛ فتقويم ما فيه اعوجاج هو من الإصلاح، وزيادة إصلاح الصالح من أمور الحياة هو من الإصلاح أيضًا، والنقد الهادف البنَّاء المحمود يندرج في وسائل الإصلاح. ثم هناك أمر الشورى؛ لأن الشورى ركيزة من ركائز بناء مجتمعات المسلمين، والله تبارك وتعالى وَسَطَها جملةً من الصفات –أي وصف في وسط هذه الخصلة جملةً من الصفات– التي عُدَّت فرائض في هذا الدين، يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الشورى: 38]، فكون أمر المؤمنين شورى بينهم دليلٌ على أنه لا بد لهم من تبادل النصح فيما بينهم، فهذا يدفع إلى أن يُظهِر المسلم لأخيه المسلم ما وقع فيه من أخطاء، وما جانبه من حق وصواب، فيُبيِّن له الهدى والرشاد وينصحه إلى اتباع سُبُل الصراط المستقيم، فهذا أيضًا داخل في شأن حال المؤمنين. ثم هو أيضًا وسيلة من وسائل التعلُّم، ونحن نعلم أن طلب العلم فريضة في هذا الدين، وأنه دين قام على العلم، والعلم لا يقوم على أن ينفرد الإنسان بطلبه والبحث عنه دون أن يعتمد على إخوانه، وعلى علماء متخصصين، وعلى من يمكن أن يرجع إليهم فيستفيد منهم، وهذا شأن المؤمنين في كل عصورهم؛ والله تبارك وتعالى يقول: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 122]. إذاً كل هذه الأصول الشرعية تشهد لهذا النوع من النقد بالتزكية والاعتبار، وهذا النوع –كما قلت– لا بد أن تتسع له الصدور؛ لأن فيه إحياءً للمجتمعات، وفيه تصحيحًا للأخطاء، كما أن فيه أيضًا دعوة إلى تلافي الخلل وإلى إصلاح ذلك الخلل، مما يعني حيوية المجتمع، ولا يستغني عن هذا النوع من الإصلاح لا الأفراد ولا المؤسسات، لا أولو الأمر ولا العلماء ولا الدعاة ولا المربون ولا المصلحون، ولا يستثنى من ذلك أحد من الناس؛ لأن شأن المؤمنين دومًا ينبغي أن يُبنى على هذا النوع من الإصلاح والأمر بالمعروف الذي نعرفه نحن اليوم بالنقد بمفهوم التصحيح والمراجعة والتقويم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٤‏/٥‏/٢٠١٤👁 2 مشاهدة
🎬

النقد فهم شخصي أم منهج علمي - د. كهلان بن نبهان الخروصي HD

الحديث الشريفالعقيدةالقرآن الكريم

✦ فتاوى مشابهة

عموم تكليف المسلمين بالنقد

2 👁

هل كل مسلم مطالب بأن يمارس مهمة النقد والإصلاح بحسب ما يملك من معرفة، أم أن لممارسة النقد ضوابط معينة يجب توفرها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٤‏/٥‏/٢٠١٤

نقد الأشخاص والكتابة عنهم

2 👁

إلى أي مدى يسمح في الإسلام بحرية انتقاد الآخرين والكتابة عنهم دون أن يعد ذلك مصادرة للفكر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

قدوة في الحوار والنقد

2 👁

هل في القرآن الكريم والسنة النبوية قدوة للكاتب والمعبر في الحوار والنقد تغنيه عن تنظيرات الشرقيين والغربيين؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣‏/٣‏/٢٠١٩

قدوة في الحوار والنقد

2 👁

هل في القرآن والسنة قدوة للكاتب والمعبر في قبول النقد وترك الانتصار للنفس بدل الاقتداء بفلاسفة التنوير؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

أخلاق تغيير المنكر

2 👁

كيف يغير المسلم المنكر أثناء حدوثه بما يوافق الأخلاق الإسلامية، وما الآداب التي يلتزم بها في ذلك؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٧‏/٢‏/٢٠٢١

الفقه الجديد وصلاحية الشريعة

2 👁

هل استنساخ أحكام عصر الرسول لعصرنا يخالف سماحة الإسلام، أليس من حق الناس فقه جديد متطور يواكب الحياة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠