⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا النقد الذي نتحدث عنه والذي يندرج ضمن الأصول الشرعية المتقدمة يعني بالضرورة أن له ضوابط وأحكامًا لا بد أن تتوفر فيه حتى يكون نقدًا محمودًا، وإلا التحق بالنوع الثاني، والنوع الثاني هو النوع المذموم كما تقدم، وهو أيضًا يندرج في جملة من الأصول الشرعية من حيث النهي عنه؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12]، ويقول: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]، ويقول: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11]، ويقول: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ بئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 11]، ويقول أيضًا سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، حينما قال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ قال: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
فكما أن هذا النوع يندرج أيضًا في أصول شرعية، فإن من اللازم أيضًا أن يكون النقد المحمود في هذا الدين خاليًا من هذه المنهيات حتى يكون موافقًا للنهي المقصود شرعًا.
وتبدأ هذه الضوابط بإخلاص النوايا لله تبارك وتعالى، وهنا يلتقي النقد مع النصح؛ لأن النصح –وهو يعني في سؤال الأخ المتصل– الأصل فيه الإخلاص؛ يُقال: نصح الشيء إذا أخلصه، فالأصل في النصح الإخلاص، ونحن نعلم أن من المبادئ الراسخة في هذا الدين مبدأ «إنما الأعمال بالنيات»، وهو حديث نبوي شريف جليل يصدر به العلماء مصنفاتهم؛ ولذلك فلا بد لهذا الذي يريد أن يقتحم لجَّ النقد أن يُخلص نيته لله تبارك وتعالى، وأن يجعل نيته موافقة للأصول الشرعية المتقدمة من الرغبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، ومن أن يكون مقصده من ذلك التعاون على البر والتقوى، والتعلم بمناقشة أهل العلم، وبمشاهدة من يختصهم ويثق في آرائهم وفي دينهم؛ عليه أن يُخلص نواياه بحيث تكون موافقة.
لا زلنا في الجانب القلبي كضابط أول: أن يبتغي ما فيه الصلاح والإصلاح.
ثم بعد ذلك لا بد من التثبت، والتثبت –وهو أيضًا التبيُّن– مبدأ أصيل في هذا الدين؛ فالذي يريد أن ينتقد لا بد له من أن يتثبت؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6]، ولا يعني هذا أن النبأ أو الخبر إذا وصل إلى مسلم من طريق يثق فيها أنه لا يلزمه أن يتبين أو يتثبت؛ لأن ذكر الفاسق في هذه الآية إنما هو لعموم الحال؛ فإن الغالب في حال الذي يأتي بخبر غير أكيد أن يكون من الفساق، هذا هو الأصل فيه، فلذلك لا بد للناس –أو شيء– لا بد أن يتثبت حتى فيما يتصل بالعلوم والمعارف، حتى فيما يتصل بالتفسيرات والتأويل؛ لا بد أن يلجأ إلى مسلك التثبت فيما يرد إليه، فيما يريد أن ينقده.
وهذا منهج أصيل، ليس هو بالمنهج المُبتدَع الجديد، وللأسف الشديد فإن بعض الناس اليوم يظن أن منهج التثبت إنما هو منهج غربي، لكن الصحيح أن التثبت في النقد هو منهج إسلامي أصيل، وحينما فرَّط فيه المسلمون فإنهم وقعوا في هذه الفوضى التي نراها اليوم؛ فكلٌّ يدَّعي أنه يقرأ قراءة نقدية، أو أنه ينتقد تفسيرًا معينًا أو تأويلًا معينًا دون أن يتثبت مما هو على وشك أن ينقده.
الضابط الثالث: العلم؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]، فلا يصح للمسلم أن يُقحم نفسه فيما يجهله، بل عليه أن يتعلم وأن يتثبت حينما يتعلم، وإلا كان مؤاخذًا بما يقول؛ ولأن كان القول باللسان يذهب أثره، فإن القول بالقلم –وهو أحد اللسانين– يبقى أثره، ولذلك فإن هذا الأثر يمتد إن خيرًا وإن شرًّا، فلذلك حينما يكون الأثر باقيًا فإن هذا أدعى للإنسان إلى أن يتثبت، وأن يتكلم فيما يريد أن يتكلم فيه أو أن يكتب فيه بعلم ويقين، وألَّا يتعجل فيما هو بصدد انتقاده.
أما الضابط الرابع فإنه يتصل بالمنهج والأسلوب؛ لأننا إذا كنا نتحدث عن أمرٍ بمعروف ونهيٍ عن منكر، ونتحدث عن إصلاح، فإن هذا يحتِّم علينا أن تكون الوسيلة المعتمدة للنقد وسيلةً مُحقِّقةً للغاية؛ لا يصح أن يكون الغرض –أي المقصد– سليمًا موافقًا للشرع، لكن الوسيلة تكون مخالفة لشرع الله تبارك وتعالى؛ والله عز وجل يقول: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، ويقول: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46]، ويقول سبحانه: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53]، ويقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].
هذه الآيات القرآنية تُؤصِّل لمنهجٍ خُلُقيٍّ رفيع فيما يتصل بالنقد؛ فإن الأسلوب لا بد أن يكون بعيدًا عن الإسفاف، بعد أن يكون مقصودًا به غايات موافقة للشرع، وبعد أن يكون مبنيًّا على تثبت وعلى علم، لا بد أن يكون المنهج المتَّبع قائمًا على أخلاق قويمة، وعلى أسس متينة من المبادئ الأصيلة التي تحكم تصرفات المسلم.
كذلك من الضوابط التي لا بد من اعتمادها: النظر في المآلات، أي النظر في الغايات التي يمكن أن يُحدِثها ذلك النقد؛ لأنه طالما قلنا بأن المقاصد لا بد أن تكون مشروعة، وأن الوسيلة لا بد كذلك أن تكون موافقة للمنهج القرآني الخلقي القويم، فإن مآل هذا النقد أيضًا لا بد أن يكون متوافقًا مع هذه الأسس، مع هذه الضوابط؛ أما إذا كان مآل هذا النقد يُفضي إلى مفسدة عامة، أو يُفضي إلى طمس فضيلة ونشر رذيلة، أو أنه يُثير في المجتمع ما لا طائل منه ولا منفعة لا في دين ولا في دنيا، فإن هذا يتعارض حينئذ مع ضوابط النقد الموافق لشرع الله تبارك وتعالى.
ولهذا فإنه يُقال عن الحق –والحق الذي لا مِرْية فيه–: إنه ليس كل حق حضر وقته حضر أهله، ولا كل حق حضر أهله حضر وقته؛ لا بد من مراعاة الناس وظروفهم وأحوالهم.
كذلك من الضوابط أن تُراعى حالة المُنتقَد؛ سواء كان فردًا أو مؤسسة؛ فإن كان الخطأ المقصود خطأً عامًا مُجاهرًا به فلا غضاضة في أن يكون النقد كذلك مع مراعاة الضوابط المتقدمة، أما إذا كان المنتقَد خاصًّا وليس بأمرٍ عام، فإن الواجب يَحتم أن يكون النقد كذلك؛ لأن المقصود هو الدعوة إلى الإصلاح، والائتمار بالمعروف، والانتهاء عن المنكر، والتواصي بالحق، وهذا يستدعي أيضًا أن يكون النقد بقدر المنتقَد وفي إطاره الذي ظهر فيه.
ولهذا –وأنا لا زلت أؤكد على حقيقة– أن النقد الهادف البنَّاء لا بد أن يكون ركيزة من ركائز الحياة؛ لأنه من المنهج الذي أرْساه دينُنا في واقع حياتنا، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلِّم أصحابه ذلك، كان يستشيرهم، كان يسمع لآرائهم، كان يتطلَّب منهم الآراء، وأرسى مبادئ عالية حينما قال: «المؤمن مرآة المؤمن» على سبيل المثال، وهذه المرآة تعكس المحاسن والمساوئ، وغالبًا ما يكون المرء أعمى عن عيوب نفسه، فيُبصِره أخوه بهذه العيوب.
ومع ذلك فإن الذي يتلقى النقد ينبغي له أيضًا أن يكون حريصًا على قبول النصح، وإن كانت الطريقة التي أُدِّيَت بها هذه النصيحة على غير ما يريد هو أو يتقبل هو في العادة، إلا أن الحق أكبر من الجميع، ولا بد من أن يُقبَل الحق؛ نحن نقول لهذا الناقد أن يسلك مسلك الاعتدال والقول الحسن، لكن هذا لا يمنع –إن فَرَّط فيه– أن لا يصح أن يكون مانعًا للآخر من قبول النقد، طالما أنه في محله، وصدر من أهله.
هذه هي مجمل الضوابط العامة التي نحتاج إليها لتقويم النقد بحيث يكون محمودًا نافعًا، له أثره الإيجابي في واقع حياة الناس بحول الله تعالى.