⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد؛ فإن القرآن العظيم خطاب الله عز وجل للعالمين جميعا منذ أن أوحي هذا الكتاب على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام وأمر بتبليغه للناس، فهو خطاب للقوم الذين بعث فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة كما أنه خطاب لأمته من بعده، وهو خطاب للناس جميعا، وكلٌّ يأخذ من هذا الكتاب العزيز – وفقًا لهذا الوعاء الذي استودعه الله عز وجل كتابه أو آيات كتابه العزيز – قدر ما أوتي من علم وفهم، وقدر ما أتاحه له زمانه من معطيات وملكات.
ولهذا فإن العرب الذين بعث فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كانوا – وفقًا لما أوتوه من مدارك الفهم، ومن حسن البيان، ومن الفصاحة والبلاغة، ومن معطيات ذلك العصر – يفهمون هذا الخطاب الرباني الذي يبلغهم إياه نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفقًا لتلك الظروف والأحوال، ولذلك وجدوا فيه إعجازًا ووجدوا فيه بيانًا وفصاحة فوق ما يستطيعون على الإتيان بمثله، أقام عليهم الحجة، وجاء بدعوتهم إلى اتباع سبل الهداية وإلى نهج سبل الرشاد بأفضل بيان وأقوى حجة.
ولذلك فإنهم كانوا يعرفون هذه الظواهر الطبيعية وكانوا يفسرونها، ومن أوجه الإعجاز في القرآن العظيم أن كل قوم في كل وقت وفي كل مكان فإنهم يفهمون هذا الكتاب العزيز وفقًا لتلك الظروف، لظروف الزمان والمكان، وهذا لكون هذا الكتاب وحيًا من عند الله تبارك وتعالى الخالق الحكيم البصير.
نعم؛ ولذلك فإن الله عز وجل لما خاطبهم بإنزال المطر وبنعمة الغيث وبكيف تُكوَّن المطر فإنهم فهموا؛ لأنهم كانوا عربًا أقحاح، ونزل هذا الكتاب العزيز بلسان عربي مبين، نعم، ففهموا ما بلغهم إياه نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: كيفية تكوُّن السحب، وآثار الرياح لها، ثم تجميعها في سحب ركامية، فهموا هذا الخطاب وفقًا لمعطيات عصرهم وأدركوا أنه ليس من عند محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فمنهم من استجاب ومنهم من أعرض وهو يوقن ذروة الفصاحة والبلاغة والبيان التي انطوى عليها هذا الكتاب العزيز.
ولذلك فالحكمة ظاهرة؛ أنها كسائر ما أنزل الله عز وجل من آيات تدعو الناس إلى الإيمان بالله الخالق، فهو سبحانه وتعالى وحده الذي يسير كل ما في هذا الوجود، ولذلك فإن الله تعالى يقيم الحجة على عباده الذين أُنزل فيهم هذا الكتاب بأدلة عقلية، بحجج وبراهين ظاهرة يرونها من مشاهداتهم اليومية، نعم، ليذكِّر بأن لهذا الكون خالقًا، وأن هذا الخالق هو وحده الذي يهيمن على حركة هذه الحياة ويهيمن على حركة هذا الوجود، وأن الواجب أن يؤمنوا به ربًّا إلهًا مستحقًّا للعبودية؛ لأنه كما أنه يبعث في الأرض الحياة بإنزال المطر – نعم – فإنه يحيي الأنفس بعد موتها، وكما أنه يبعث في الموات الحياة فإنه يبعث الناس في النشور بعد أن يقبض آجالهم.
وكما أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يتصرف فيما لا يد لهم فيه من حركة السحب والرياح وتكثيف السحب وتراكمها وإنزال المطر وتصريفه وفقًا لحكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى مما لا يد لهم فيه، فإنه قادر جل وعلا على تدبير حركة حياتهم وعلى تصريفها، فيقيم عليهم الحجة بذلك دعوةً إلى الإيمان وإعمالًا لأفكارهم ولِأَلْبابهم في الوصول إلى الخالق جل وعلا المستحق للعبادة.
… فمما يذكر كثيرًا أن أعرابيًّا تُلي عليه قول الله تبارك وتعالى في سورة النور: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: 43]، فلما سمع هذه الآية وحدها خرَّ لله ساجدًا وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ما شاء الله، ما ذلك إلا لإدراك لبيان هذا الكتاب العزيز ولموافَقة لما يرونه من ظواهر الحال وإتيانه بما يفسر لهم مَن الذي يدبر كل هذه الأجرام وحركة ما يؤدي إلى نزول المطر وكيف يفعل ذلك في أفضل بيان وأحسن أسلوب، فدعاه ذلك إلى الإيمان بالله تبارك وتعالى.