⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
السفر يتفاوت أيضاً، لا بد من أن نراعي أنه يتفاوت؛ الذي يركب على الطائرة ويطوي المسافات في ساعات ليس كالذي يركب على السيارة أو على القطار ويطوي مسافته في أيام، وهكذا؛ فالسفر مهما كان يتفاوت، حتى نفس المركبة الواحدة تتفاوت؛ قد تكون السيارة أحياناً ذات مقاعد وثيرة، والطائرة أيضاً، فهناك تفاوت حتى في الطائرة الواحدة بين من يركب في الدرجة السياحية ومن يركب في درجة رجال الأعمال أو الدرجة الأولى، هذه معروف أنه هناك تفاوت، فالتفاوت لا يزال موجوداً مهما كان، مهما تغلَّب الإنسان على مشكلات الحياة.
ولكن طَبَعَ الله تعالى هذه الحياة بهذا الطابع؛ على أن الإنسان عندما يتردد في المطارات وينتظر، نفس الانتظار فيه مشقة، لا بد من أن نراعي هذا الجانب.
أما بالنسبة إلى القصر، قصر الصلاة في السفر: هل هو رخصة أو هو عزيمة؟ نحن لو نظرنا إلى أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لوجدنا أن الأحاديث تدل على أن القصر عزيمة؛ القصر ليس رخصة، سواء الأحاديث القولية أو التطبيق العملي في عهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ لم يَثبُت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتم في سفره ولا مرة واحدة، ما ثبت أنه أتم في سفر، مع أنه كان يحرص بالنسبة إلى الشيء غير الواجب أن يبينه بتطبيقه وبعمله حتى يظهر للناس أنه غير واجب، أو يبينه بقوله حتى يتبين للناس أنه غير واجب؛ فهذا الحرص على تطبيق القصر في السفر هو دليل على أنه عزيمة.
والذين قالوا بأنه رخصة استدلوا بدليل هو في ذاته دليل على أنه عزيمة؛ لأنهم استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته». قالوا: هذا دليل على عدم وجوب القصر، لأن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام قال فيه بأنه صدقة، تصدق الله تعالى علينا، فإذا نحن نتقبل صدقة الله، وهذا القبول ليس بواجب.
وهذا مردود؛ بأن الصدقة إذا جاءت من عند الله لم يكن للمخلوق أن يردَّها؛ كما أن ضيافة الله تعالى يوم العيد لا يمكن أن تُرد، فيوم العيد أيضاً هو يوم ضيافة الله تعالى، وليس للإنسان أن يصوم يوم العيد بالإجماع، لأنه إن صام فقد ردَّ ضيافة الله، وكما أن ردَّ ضيافة الله تعالى غير جائز وليس بمسوغ بحال من الأحوال، فكذلك أيضاً بالنسبة إلى الإتمام الذي هو ردٌّ لصدقة الله تعالى، وتأكد ذلك بقوله: «فاقبلوا»، والأمر للوجوب ما لم تُصرِفْه قرينة، وليس هنا ما يدل على وجود قرينة بحال من الأحوال لتصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب؛ فإذن هذه الصدقة يجب أن تُتقبَّل.
هذا مع أن ذلك يعتضد بأدلة أخرى؛ من بين هذه الأدلة: هناك دليل من السنة، رواية أخرجها الإمام أبو غانم بشر بن غانم الخراساني في مدونته المشهورة؛ هذه الرواية عن أبي المؤرج، عن أبي عبيدة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب عليه الصلاة والسلام، وقال في خطبته: «ألا وإن تُقام الصلاة في الحضر أربعاً وقصرها ركعتان، ألا وإن تُقام الصلاة في السفر ركعتين وقصرها أربعاً». شرحوا هذا الحديث بأن معناه: من أتمَّ في سفره كمن قصر في حضره، وهذا ما روي عن طائفة من الصحابة.
ثم إننا نجد أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً كانوا يطبقون ذلك، والنبي عليه أفضل الصلاة والسلام كان حريصاً على تطبيق ذلك؛ بقي بمكة ما بقي من الأيام، وكان يقصر الصلاة، ويقول: «يا أهل مكة، إنا قوم سفر فأتموا صلاتكم». هذا التطبيق العملي الدقيق دليل على وجوب القصر.
ولما كان واجباً فإنه لا فرق بين أن تكون الأحوال ميسَّرة أو أن تكون مؤثِّرة؛ فتيسير الأحوال لا يُبدِّل الحكم، لأن الحكم نِيط بوجود السفر، بمطلق السفر؛ والنبي صلى الله عليه وسلم نفسه صلى الظهر بالمدينة المنورة أربعاً، وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين؛ لماذا؟ لأنه دخل في السفر. إذاً صلاة السفر في القصر في هذه الحالة، عندما يكون الإنسان مسافراً، في حقه يكون واجباً.