⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
اما بعد فان الجواب على هذه القضيه لابد ان يبدا من تقرير ان المسؤوليه امانة عظيمة، وان تولي مناصب من طبيعتها انها ذات ولاية عامة هي أمانة عظيمة أمام الله سبحانه وتعالى يوم القيامة.
ودليل ذلك حديث أبي ذر الشهير حينما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي يا رسول الله، أي أَلَا تُوَلِّنِي شيئا من الولايات العامة فأكون عاملا لك؟ فقال له عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: «يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة حسرة وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها».
فلئن كان هذا الصحابي الجليل، الذي هو في الورع والزهد مضرب مثل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرى أنه أهل لتولي المناصب ولأن يستعمله، فكيف بغيره من الناس من ضعاف النفوس وضعاف الإيمان؟ لأن السبب الذي لأجله لم يختر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا ذر لكي يكون واليا أو أن يكون عاملا، هو ليس ما يتصل بجوانب الإيمان والأخلاق لدى أبي ذر، فهو صحابي جليل رضي الله تعالى عنه كما تقدم، وإنما يتعلق ذلك بالملكات والمؤهلات العلمية والذهنية الفكرية اللازمة للقيام بواجب الولاية العامة.
ولذلك بيّن صلى الله عليه وآله وسلم أن تولي شيء من أمور الناس والسعي إلى المناصب لا بد أن يكون مصحوبا بالكفاءة والقدرة على أدائها، ولا بد من تذكر المآل والمنقلب الذي سيؤول إليه هذا الذي يتولى شيئا من مصالح الناس؛ فلذلك قال: «فإنها أمانة، وإنها يوم القيامة حسرة وندامة».
فإن الذي يتولى إما أن يكون غير مؤهل، وهذا بابه بيّن، أو أن يكون مؤهلا لكنه لا يعدل في المنصب والولاية التي يتولاها، بل يحابي ويجامل ويضيع ويخون –والعياذ بالله– وهذا الصنف هو الذي وعده صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة والسلام بأنه سيكون في موقف الندامة والحسرة يوم القيامة. وهناك من استثناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إلا من أخذها بحقها»، أي كان مؤهلا قادرا، ثم قال: «وأدى الذي عليه فيها».
وأداؤه للذي عليه في الولاية العامة يكون بالعدل وبسط الإنصاف بين الناس، والنصح للأمة فيما وُلِّيَ إياه، وأن يجتهد قدر استطاعته في أن يحقق المصالح للناس وللعاملين عنده، وأن ينفي عنهم المفاسد والأذى والضرر؛ أي عن الناس وعن العاملين عنده.
وهذه حقيقة لا بد أن يدركها كل ساعٍ إلى الترقيات وإلى المناصب الرفيعة؛ لأن من القواعد أيضا التي لا بد أن يتقن فهمها المسلمون اليوم أن عِظَم المنصب يصحبه عِظَم المسؤولية وجسامتها.
فالله تعالى يقول مخاطبا أمهات المؤمنين رضوان الله تعالى عليهن أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: 32]، فقد بوأهن الله عز وجل هذه المنزلة الرفيعة، ثم رتب عليها جملة من الأحكام والتشريعات فقال: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، إلى آخر الآيات الكريمة.
ولذلك فلا بد أن يُعْلَم أيضا أن الذي يتولى شيئا من المناصب أن عليه مسؤولية عظيمة وأمانة كبيرة، لا بد أن يرعى حقوق الله عز وجل فيها وحقوق الناس عليه فيها، وهذا يستدعي منه مزيدا من بسط الخلق الكريم والقيم النبيلة وسعة الصدر والحلم وكظم الغيظ والصبر على أذى الناس واحتمال مطالبهم، والسعي إلى أن يترفق بهم، وأن يكون سمحا في أخذه وعطائه ومعاملته معهم، ومن باب أولى أن يكون ملتزما بإقرار العدالة فيمن رعايتهم من الموظفين عنده.
فلا يصح له أن يكون فاسدا مجانبا للصواب بعيدا عن مقتضيات العدالة والقسطاس المستقيم، لأن ذلك سوف يسيء إلى المؤسسة، وسوف يفوّت حقوق المستحقين من العاملين الموظفين أو من المنتفعين من الخدمات، وسوف يعين على نشر الفساد لأنه في محل القدوة والمثل الذي يُحتذى به.
وهنا نتذكر موقف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حينما رأى ما أوصل المسلمون من الغنائم في فتوحاتهم فقال رضوان الله تعالى عليه: إن قوما أدوا هذا لأمناء. وقال ذلك في محضر جملة من أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم، وفيهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فقال له: يا أمير المؤمنين، عَفَفْتَ فعَفَّت رعيتك، ولو رَتَعْتَ لَرَتَعُوا.
ولذلك فإن هذا المبدأ مبدأ هام عظيم لا بد أن يتقيد به كل مسؤول وصاحب منصب وذي قرار في شيء من الولايات العامة أو المسؤوليات التي يصل إليها.
لكن حينما يخالف هذا المنهج فإن هذا لا يسوغ للعاملين عنده أن يقروا الظلم، وأن يرضوا بالمنكر، وأن يسكتوا عن الإصلاح، بل عليهم أن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر وأن يتناصحوا فيما بينهم؛ فمن حقه عليهم أن ينصحوه، وأن يَبَرُّوا في نصحه، وأن يبينوا له عاقبة ما يفعله في الآخرة وفي الأولى.
والنصح بابه واسع، قد لا يحتاج أن يكون النصح مباشرا، قد يكون الأمر محتاجا إلى شيء من التذكير فقط، وقد يكون الأمر بحاجة إلى مزيد من المصارحة والمكاشفة ببيان الأدلة والأمثلة وكل ما يردع هذا المسؤول عن الاستمرار في غيه وبُعده عن المنهج القويم.
لا يَسُوغ لهم أن يسكتوا عن المنكر، لكن هذا لا يَسُوغ لهم هم أيضا أن يخالفوا وأن يقترفوا ما يخل بالأمانة التي يحملونها، بل كما تقدم عليهم أن ينصحوا وأن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر؛ فإن لم يجدِ كلُّ ذلك نفعا فإن عليهم أن يصلوا إلى الجهات المعنية، فإننا بحمد الله عز وجل نعلم أن هناك جهات معنية بأداء الموظفين وبسير الأعمال في المؤسسات الحكومية أو العامة منها والخاصة، وبالتالي ففي مثل هذه الحالات –مع وجود التثبت، مع وجود الأدلة الصريحة، وعدم قبول ذلك المسؤول للنصح– فإنه لا بد من اللجوء إلى هذه الجهات سواء كانت جهات رقابية أو كانت جهات قضائية، حتى لا يفشو الفساد في المؤسسات ولا ينتشر مخالفة الأنظمة والقوانين والبعد عن الالتزام وأداء هذه الأمانات التي لا ريب فيها مصالح تُقْضَى للناس ومضار تُدْفَع عنهم.