⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه مسألة مهمة للغاية، لكن قبل الجواب المباشر على هذه القضية لا بد من التقديم...
فليعلم أنها مسؤولية عظيمة، وأنها أمانة عليه أن يؤديها بكل إخلاص، وأنه لا بد أن يتحلى بجملة من الصفات، وفي مقدمة هذه الصفات ما أشارت إليه –بل ما نصت عليه– جملة من آيات الكتاب العزيز، ومنها ما نحن حينما نقرأه في قصة ابنتي الرجل الصالح مع موسى عليهما السلام، حينما سقى لهما، فرأيا منه ما يؤهله لكي يكون أجيرًا عند أبيهما، فقصَّ الله سبحانه وتعالى لنا في كتابه قولَ إحداهما: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، فهذه الآية تدل دلالة واضحة على أن مؤهلات العمل إنما تقوم –أو تدور– حول هاتين الصفتين: القوة والأمانة.
فأما القوة فإنها بحسب نوع العمل المطلوب، فإن كان العمل محتاجًا إلى قوة بدنية فإن القوة المقصودة هي قوة البدن، وإن كان العمل محتاجًا إلى قوة ذهنية، إلى علم ومعرفة وثقافة، فإن القوة المقصودة عندها تكون قوة الذهن والعلم والمعرفة، وهكذا سائر ما تحتاج إليه القوة لعملٍ ما، فإن هذا –أو نوع هذه القوة– إنما يكون بحسب المطلوب فيها.
ثم الخَصلة الثانية: الأمانة؛ فلا بد أن يتحلّى ربُّ العمل، أو رئيس العمل، أو صاحب المنصب والولاية العامة، أو الولاية التي يكون فيها رئيسًا على غيره، لا بد أن يكون قُدوة حسنة، ومثالًا أعلى في الأمانة؛ فإن الأمانة هي الركن الآخر مما تدور عليه صلاحية الفرد لكي يتبوأ منصبًا قياديًّا، أو لكي يتبوأ ولاية عامة.
وهذا المعنى أيضًا يتأكد في سورة يوسف، حينما قال يوسف عليه السلام كما قصَّ لنا القرآن العظيم: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]؛ فإن قوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ هو بيان للمؤهلات التي تجعل من الشخص مؤهلًا للقيام بمنصب ذي ولاية عامة، فقوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾، فالحفظ، أو «حفيظ» هي صيغة مبالغة لحفظ، أي: إنه شديد الحفظ لأمانة العمل، فهي تلتقي مع ما ذكره الله سبحانه وتعالى على لسان ابنة الرجل الصالح –أو كما يقول بعض المفسرين: ابنة شعيب– من وصف موسى عليه السلام بالأمانة؛ فهنا ذكر يوسف عليه السلام ما يَستدعي إليه رعاية هذه الأمانة وهو شدة الحفظ لها، شدة رعايتها والقيام بشؤونها.
وذكر الصفة الأخرى التي تقابل صفة القوة هناك، وهي صفة العلم؛ لأن المهمة التي يريد يوسف عليه السلام أن ينتدب نفسه إليها تستدعي علمًا غزيرًا، ولذلك فإنه ذكر من أسباب القوة المؤهلة للقيام بذلك العمل كونه ذا علم.
ولذلك فلا بد لمن يتبوأ منصبًا أن يؤهل نفسه، ولمن يختاره أيضًا –على من يختار– أن يختار الأكفأ المؤهلة القادرة على أداء ذلك العمل بحسب ما يستدعيه ذلك العمل من مؤهلات وخصائص.
ثم نجد صفات أخرى –وأنا هنا، يعني هذه الصفات تصلح للعامل، تصلح للموظف، لكنها ألزم في حق رئيس العمل، أو صاحب المنصب والولاية، أو صاحب القرار في العمل، هي أظهر في حقه وهو أجدر بها وأحق– من ذلك أيضًا ما أشار إليه القرآن الكريم في قصة ذي القرنين؛ فإن الله سبحانه وتعالى بعدما ذكره بما ذكره به مما آتاه إياه من أسباب القوة والعلم والمناعة والسير في أرجاء هذه الأرض، حينما أتى إلى القوم الذين طلبوا منه أن يبني لهم سدًّا، قال لهم: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: 95]، فإن قوله: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ يؤكد على أهمية التعاون والعمل الجماعي لبلوغ الغاية من العمل؛ لا يصلح أن يستبد ربُّ العمل أو صاحب القرار بقراره، وأن يكتفي بنفسه دون أن يُشرك غيره معه، ولا يسوغ لهم هم أيضًا أن يتأخروا عن عونه ومساعدته في إتمام المهمة وإنجاح العمل الذي يقومون به.
مع كون القرآن العظيم حينما قصَّ لنا قصة ذي القرنين قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: 84]، إلا أنه حينما جاء في هذا الموضع طلب منهم العون تعليمًا لهم على أهمية التعاون وأهمية العمل الجماعي.
والآية أيضًا تشير إلى أهمية التخطيط، فإنه بين لهم ما الذي يريده منهم، وبيَّن لهم مراحل العمل: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: 96] إلى آخر الآيات؛ ولذلك فإن التخطيط السليم من صاحب القرار هو أيضًا من الصفات التي عليه أن يتحلّى بها، ومن الأخلاق الهامة التي عليه أن يحرص عليها أشد الحرص مع من هم تحت رعايته أو من يعملون معه.
ثم الإتقان، وهذا مفهوم إسلامي عظيم جليل؛ لأن جملة من الأدلة الشرعية نصت عليه، منها الحديث الشهير: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، ومنها معنى الإحسان؛ فإن الإتقان داخلٌ في الإحسان بجملة من الأدلة الشرعية أيضًا من كتاب الله عز وجل، ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ولذلك فهذا المفهوم –مفهوم الإحسان في القيام بالأعمال– لا بد أن يكون مستصحبًا لدى صاحب القرار ولدى المرءوسين، لدى الرئيس ولدى المرءوسين، حينما يريدون فعلًا أن ينجحوا في أعمالهم، وأن ينجزوا ما كُلِّفوا به من مهمات وأعمال.