⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن الاجتهاد لا بد من أن يكون مشروطا بشروط حتى يتسنم الإنسان درجة الاجتهاد، إذ لا يصح لكل أحد أن يجتهد؛ فإن القول على الله بغير علم مقرون بالاشراك به سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]، وبيَّن سبحانه أن الشيطان هو الذي يدعو إلى القول على الله بغير علم، وقد قال: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 169]، هذا هو أمر الشيطان.
فالإنسان الذي يريد أن يجتهد عليه أن ينظر في حصيلته العلمية؛ لا بد للمجتهد أن يكون عارفا بكتاب الله تعالى، أي عارفا بالآيات التي نصت على الأحكام، حتى لا يأتي بحكم يصادم نصا من نصوص القرآن الكريم؛ فلا بد من أن يكون في القضية التي يريد أن يجتهد فيها ملما بالآيات التي تحدثت عنها.
وأن يكون بجانب ذلك أيضا عارفا بالسنة النبوية، بحيث يكون ملما بالأحاديث التي تناولت تلك القضية، أو الأحاديث التي هي واضحة في هذه القضية، يعني الأحاديث التي اشتهرت فيها حتى لا يتصادم مع السنة، وعليه أن يستقصي في مكان غير واضح، عليه أن يجتهد في البحث في مظان الحديث الشريف عن وجود حديث فيما يتعلق بهذا الأمر؛ إذ ليس له أن يجتهد مع النص من سنة نبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
وعليه أيضا أن يعرف هل هذه القضية مما أُجمع عليه أو مما لم يجمع عليه، حتى لا يصدم الإجماع فيما يجتهد فيه.
ومع هذا أيضا لا بد من أن يكون على معرفة بعلوم العربية، بحيث يكون عارفا باللغة نفسها، وبالنحو، وبالتصريف، وبالبلاغة في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، حتى لا يحمل الآية على غير معناها، ولا يحمل الحديث على غير معناه؛ فلا بد من أن يكون عارفا بهذا كله.
وأن تكون عنده حصيلة من علم أصول الفقه تمكنه هذه الحصيلة من الاستنباط، بحيث يكون عارفا كيف يقابل بين الأدلة الشرعية، كيف يقابل بين الأدلة العامة، سواء كانت من القرآن أو من السنة النبوية، كيف يقابل بين الأدلة العامة والخاصة، وما هي المخصصات التي يمكن أن تُخصص العمومات، كيف طريق التخصيص، وأن يكون عارفا أيضا كيف يقابل بين الأدلة المطلقة والأدلة المقيدة، وكيف يكون تقييد الإطلاق بالأدلة ذات التقييد، وأن يكون عارفا أيضا بالمجمل والمبين حتى يعرف كيف يمكن له أن يبين الدليل الغامض، أو دليل المجمل، أو دليل مبهم، ما الذي يوضحه.
وعليه أن يكون عارفا أيضا بالناسخ والمنسوخ، وعليه أن يكون عارفا بموارد الإجماع، وكذلك بطرق القياس، حتى لا يقيس في الأمور مع الفارق، عليه أن يعرف أنواع القياس، سواء القياس الجلي أو القياس الخفي.
ومع هذا أيضا لا بد من أن يكون على علم بمقاصد الشريعة أيضا ليضع كل شيء موضعه، وكذلك أيضا بالنسبة إلى النوازل التي نزلت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بد من معرفته بالسيرة النبوية ليكون على بصيرة من هذا.
فهذه الأمور لا بد منها، على أن الإنسان مع استيفائه جميع هذه الشروط لا بد من أن تكون وجهته إلى الله، وأن يكون ورعا تقيا، يخشى الله سبحانه وتعالى ويتقيه، لأن تقوله على الله بغير علم أمر في خطورة بالغة، وعليه مع هذا أيضا أن يتجرد من الهوى، لا أن يكون متأثرا بعاطفة معينة تؤدي به إلى الإفتاء بحسب ما يتطابق مع هواه أو يتلاءم مع هواه، بل عليه أن يكون في فتواه يتحرى الحق، وينشد الحق، ويريد الحق، لا أن يلتفت إلى أي عصبية.
هذا هو الذي يجب أن يكون عليه المفتون؛ عليهم أن يتقوا الله تعالى فيما يفتون به، وعليهم أن يستبصروا ببصيرة الحق فيما يأتون وما يذرون، ما يقدمون عليه وما يحجمون عنه.
وقضايا الدماء هذه قضايا ليست بالهينة، لأن دماء الناس جميعا الأصل فيها أنها مصونة؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]، ويقول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾، ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 68-69]، وشدد الله تعالى في أمر قتل المؤمن بغير حق، لأنه بجانب القيمة البشرية هناك قيمة الإيمان الذي يتحلى به ويتلبس به؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]، والأدلة التي تدل على التحذير من القتل متوفرة في الكتاب وفي السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
فمن هنا كان لزاما على الإنسان في مثل هذه المواقف أن يكون شديد الحرج، أن لا يكون مندفِعا وراء عاطفة رعناء تؤدي به إلى أن لا يبالي بما يأتيه وما يَذْرُه، وما يفوه به مما يحرك الناس؛ عليه أن يكون مفكرا في العواقب في هذه الأمور كلها.
نعم.