⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
مما يُؤسَف له أن الناس يستغلون كل شيء لأهوائهم؛ فهم إن جنحوا إلى جانب كالوا له من الثناء كيلًا ما لم يكن في الحسبان قط، ولا تتصوره العقول، وإن مالوا عنه أيضًا يكيلون له الذمَّ كيلًا، وهم لا يتورَّعون في مدحهم، ولا يتورَّعون في ذمِّهم.
والإنسان مسؤول عن الكلمة يقولها، ولربَّ كلمة قالها الإنسان لم يحسب لها حسابًا كانت سببًا لهلاكه وبواره، بحيث تَهوي به في النار والعياذ بالله أبعدَ مما بين المشرق والمغرب، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أمرٌ فيه خطورةٌ بالغة، وعلى الناس أن يتقوا الله في هذا الأمر، عليهم أن يكونوا أمناء.
وقد تحدَّث العلماء قديمًا عن هذا الجانب، فنجد الزمخشري يذكر حول هذا الأمر وما اعتَرى خطب الجمعة من دخول الأهواء؛ فهو فَسَّر ذِكر الله تعالى بخطبة الجمعة في قول الله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، ثم قال بعد ذلك: فإن قلتَ: كيف تكون الخطبة هي ذكر الله، مع أنها تشتمل على كثيرٍ مما هو خارج عن ذكره؟ قلتُ: أمَّا ذكرُ رسولِه صلى الله عليه وسلم، وسائرِ الأنبياء والصالحين من عباده، والدعاءُ لهم، فهو داخلٌ في ذكر الله، وأما ذِكرُ الجبابرة بأسمائهم وألقابهم، والثناءُ لهم، والدعاءُ لهم، والثناءُ عليهم، والدعايةُ لهم، فإنه ليس من ذكر الله، بل هو من ذكر اللات على مراحل، وإذا كان من يقول لأخيه والإمام يخطب يوم الجمعة: "صَهْ" لاغيًا، وإذا لغى فلا صلاة له، فلا جمعة له، فكيف إذا كان الخطيب نفسه لاغيًا؟ نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام.
هذا الكلام الذي قاله الزمخشري هو في القرن السادس الهجري، ونقل هذا الكلام القرطبيُّ بنصِّه وفصِّه، وأقرَّه واعتمده في تفسيره. فعلى الناس أن يتقوا الله فيما يقولونه؛ الجمعة يجب أن تؤدي رسالتها، تؤدي رسالة تهذيب النفوس وإصلاحها، ومقاومة الفساد، لا أن تكون الجمعة منبرًا للسياسة، أو منبرًا للتنابُز، وأيِّ نَزَعات ونَزَغَات، والناس في هذا مجانبون لمنهج الحق.
على أن كثيرًا من العلماء يعتبرون خطبة الجمعة شطرًا من صلاة الجمعة، فإذا كانت شطرًا من صلاة الجمعة كما هو رأي هؤلاء، فكيف يدخل في الصلاة مثل هذه الأشياء؟ هذه كلمات تنقض الوضوء، كيف تدخل الغِيبة والنميمة وأمثال هذه الكلمات؟ هذه تنقض الوضوء، وعلى الإنسان أن يتقي الله تعالى في هذا الأمر، وأن يتجرَّد لوجه الله تعالى فيما يقوله.