⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن الإنسان في إطار دين الله تعالى الإسلام يؤمر أن يتقيد بقيود الآداب والفضيلة في كل تعامله، وفي كل تصرفه، وفي كل أخذه وعطائه، وكل ما يصدر عنه من قول أو عمل، على الإنسان أن يكون حذراً من الوقوع في المزالق والمهالك، فإن النفس تقود إلى المزالق.
ولا ريب أن الصيام كما ذكرنا هو مدرسة، وهو دورة تدريبية يدرب فيها الإنسان نفسه على التزام هذه الطاعة، والتقيد بهذه القيود، والتزام المراقبة، مراقبة الله تعالى.
الكلمة لها أثر كبير، فإن رب كلمة تُقال تسبب عثرة لا تُقال، وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها، تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب»، ويقول الحديث الشريف أيضاً: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يحسب أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يحسب أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه». وكما جاء في حديث معاذ: «ألا أدلك على ملاك هذا كله؟» قال: بلى يا رسول الله، قال: «أمسك عليك هذا» يعني اللسان. وقال معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم: أَئِنَّا مؤاخذون بما نقول يا رسول الله؟ قال له: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم».
الإنسان مأمور باستمرار أن يلتزم هذه القيود، وأن يلتزم طاعة الله تعالى، ولكنه في صيام أولى بهذا الأمر، ولا يعني هذا أنه ينفلت ويطلق عنان لسانه ويطلق عنان جوارحه عندما يكون غير صائم، لا، بل عليه أن يتقيد. ولكن الأمر إنما هو يضاعف تارة أجره إن كان فعله في موطن مضاعفة الأجر، ويضاعف أيضاً وزره إن أتى به في موقف يستدعي تجنبه أكثر فأكثر، فالقضية قضية تقيّد.
والإنسان هو في معركة مع الشيطان، ولذلك يؤمر بالاستعاذة بالله تعالى من الشيطان، وما هذه الاستعاذة إلا اللُّجؤ من العبد إلى الله وإلى حماه، فارّاً بجلدته من الشيطان خائفاً أن يؤثر عليه. وهذا الفرار لا يجب أن يكون مجرد كلمة يقولها الإنسان: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإنما يجب أن يكون فراراً قولاً وعملاً وخُلُقاً والتزاماً، يجب أن يكون فراراً من الشيطان بمعنى الكلمة.
فالإنسان وهو في هذه المعركة مع الشيطان كثيراً ما يزين له الشيطان، يسوّل له أن يأتي الموبقات، ويخيَّل إليه بأن هذا أمر هيّن، ولعله إن أتى بكلمة فيها تحقير لأحد، أو اغتياب له، أو تسفيه لحق، أو تأييد لباطل، أن يكون ذلك نوعاً من الفكاهة التي يراها الناس ظرفاً ويستسيغونها ويحبّبونها، فيحاول أن يتفنن في ذلك، ويأتي من الكلمات ما لو اطّلع على عاقبة أمره في اتيانها، وما يترتب على هذا الإتيان لجار لهول الأمر، وصعوبة الموقف، وخطورة العقوبة التي تترتب على هذا الفعل.
فالإنسان عليه أن لا يعطي الشيطان فرصة، فمن تقهقر خطوة تقهقر خطوات، الإنسان إنما هو دائماً يجب عليه أن يكون في الجبهة الأمامية في محاربة الشيطان والوقوف له والتصدي لمكايده، وألا يتقهقر إلى الخلف قط، فمن تقهقر ولو شيئاً يسيراً تقهقر كثيراً، وعليه أن يحرص على أن يدفع الشيطان وأن يزحف عليه بدلاً من أن يكون الشيطان هو الزاحف عليه.