مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

معنى الصيام للفرد والأمة

ما معنى الصيام بالنسبة للفرد وبالنسبة للأمة؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقبل الشروع في الإجابة على هذا السؤال الكريم يسرني ويشرفني أن أهنئ الأمة الإسلامية بهذا الموسم المبارك، موسم الخير والرحمة والصلة بالله سبحانه، والتوبة والغفران ومحاسبة النفس والرجوع إلى الله عز وجل في السريرة وفي العلانية، موسم شهر رمضان المبارك الذي أنزل الله تعالى فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وفرض على عباده صيامه ليكون في هذا الصيام عونًا على تطبيق القرآن والعمل به، والأخذ بحجزه في كل دقيقة وجليلة مما يصدر عن الإنسان. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعًا لصيام هذا الشهر وقيامه على النحو الذي يهذب النفوس ويرتقي بالأرواح ويسمو بالأخلاق، ويصل البشر بخالقهم سبحانه وتعالى، ويقوِّي فيهم ملكات الإيمان، يفطم فيهم تطلعات الشَّرَه إلى الدنيا، كما أسأله سبحانه وتعالى أن يعيد علينا جميعًا هذه المناسبة الميمونة وقد التئم شمل الأمة، واجتمعت كلمتها، وتوحد صفها، وزال ما بينها من الشقاق والخلاف، وعلت كلمة الله واندحر كلمة الباطل: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 18]، ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]. هذا ولا ريب أن في الصيام حكمًا شتى؛ الصيام روضة من روضات الإيمان ترتع فيها النفس، ويسرح فيها الفكر، ويجول فيها العقل. الصيام جعله الله سبحانه وتعالى مدرسة يزكي فيها الإنسان نفسه، وما أحوج أي أحد من الناس إلى التزكية، فإنها مناط الفلاح، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10]. نعم، تزكية النفس إنما تكون بالتقوى، وهذا ما دلت عليه الآية؛ إذ ذكر الله سبحانه وتعالى الفجور والتقوى، وبين بعد ذلك أن الفلاح لمن زكَّى، والخيبة لمن دسَّى، ومعنى هذا أن التزكية إنما هي بالتقوى، وأن التدسية إنما هي بالفجور. وقد جاء القرآن الكريم مبينًا كيف الارتباط بين العبادات مطلقًا وبين التقوى، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]، وبيَّن أن الصيام بطريقه خاصة مرتبط كل الارتباط بالتقوى عندما قال سبحانه وتعالى في فاتحة آيات الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، واختتم هذه الآيات أيضًا بذكر التقوى عندما قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 187]. فإذًا الصيام هو عامل قوي مؤثر في حياة الإنسان ليتكيف وفق مقتضيات التقوى، وليرتبط بحبل الله تعالى، ويتصل بالجناب الأقدس في تصرفاته وفي أعماله، بعد أن يكون موصولًا روحيًّا بالله سبحانه وتعالى، بحيث تتجلَّى له عظمة الخالق عز وجل الذي شرع هذه العبادات من أجل وصل هذه النفوس ببارئها. الصيام –كما قلنا– إنما هو مدرسة في هذه الحياة: مدرسة للتقية، مدرسة للرقي بالنفس البشرية، مدرسة للتشبُّه بالملإ الأعلى الذين لا همَّ لهم في الشهوات، والذين لا شأن لهم بمتع الحياة، لأن متعتهم في الاتصال بالله سبحانه وتعالى. فالصيام يروِّض النفس البشرية ليسمو الإنسان من هذه الحياة المادية إلى تلكم الحياة الروحية، ليكون مع الملإ الأعلى بفكره وبروحه، وبإخلاصه هذا الشهر من أجل ترويض النفوس على ذلك، لتتهيأ... يكون مهيأً لاستقبال هذا النور الإلهي الذي يتلألأ من خلال كل كلمة من كلمات القرآن، بل من أي حرف من حروف هذا الكتاب العزيز. وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ما للصيام من أثر في النفس البشرية؛ فإن الصيام لا يعني الكف عن الأكل والشرب وقضاء الوطر الجنسي فحسب، بل بجانب ذلك هو ضبط النفس، وقيد الجوارح حتى تكون النفس منساقة في الطاعة، وتجنُّب المعصية، وتكون الجوارح متفاعلة مع طاعة الله سبحانه وتعالى، كل جارحة تؤدي دورها في حسن الطاعة والانقياد لأمره سبحانه وتعالى. فالنبي صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام يقول –كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الإمام الربيع رحمه الله–: «ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله». وكذلك حديث أبي هريرة عند الإمام البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». نعم، هذا الكلام لا يخرج إلا مخرج التهديد، مخرج الوعيد للذين يرتعون في الشهوات، ويقضون مآربهم من معاصي الله تعالى، وهم في ظاهر أمرهم صائمون. فالصيام –وإن كان الكف فيه عن الأكل والشرب وقضاء الوطر الجنسي يؤدي بطبيعة الحال إلى تقوية الجانب الروحي على جانب الجسم، وجانب الضمير على جانب الشهوة والرغبة– إلا أنه بجانب ذلك أيضًا محاسبة دقيقة للنفس حتى لا يقع الإنسان في شيء من معاصي الله سبحانه وتعالى؛ فلا يمد نظره إلا إلى ما أَذِنَ الله تعالى بالنظر إليه، ولا يصيخ سمعه إلا إلى ما يرضى الله سبحانه وتعالى بسماعه، ولا يمد يده إلا إلى ما يرضى الله تعالى تناوله، ولا يسعى بقدمه إلا حيث أمر الله بالسعي أو أباح السعي، فتكون الحركات كلها مقيَّدة في الظاهر وفي الباطن. ومع ذلك أيضًا يضبط لسانه عن كل كلمة تنبو عن الحق وتتصل بالباطل؛ يضبط لسانه عن قول الفحش، عن الزور، عن الغيبة، عن النميمة، عن الإساءة إلى الغير، ويضبط كل حركة من حركاته حتى تكون خلايا الجسم كلها متفاعلة مع طاعة الله تعالى. نعم، ومن المعلوم أن ترويض النفس على ذلك في عام من الأعوام، في شهر من الشهور في كل عام، يؤدي إلى تمكن الإنسان من تقوية عزيمته وإرادته على شهواته ورغباته ونزعاته ونزغاته، فيستمر ذلك في كل عام. على أن الصيام بجانب ذلك يكبح في نفس الإنسان إرادة الانتقام والسعي إلى الاستعلاء؛ فالصيام يقتضي أن يكون الإنسان مروِّض نفسه على الصبر، بحيث يصبر على كل أذًى يأتيه من الغير، ولا يقابل الإساءة بإساءة مماثلة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يبين ذلك في قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: «الصيام جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن أحد سابَّه أو قاتله فليقل: إني صائم». نعم، يؤمر الصائم بذلك، يؤمر في صيامه ألا ينزع منزع التشفي والانتقام من أي أحد يصدر منه أذًى في حقه؛ نعم، فلو صدر من أي أحد أذًى عليه أن يحتمل ذلك، ويقول: إني صائم، ليذكِّر نفسه بقدس هذه العبادة التي هو متلبس بها، وليذكِّر الطرف الآخر أيضًا إن كان من المؤمنين، إن كان من المسلمين، بأن ما هو فيه من العبادة يتنافى مع ما صدر منه، يتنافى مع هذه الورطة، ومع هذه الإساءة، ومع هذه الوحشية؛ فعليه أن يروِّض نفسه، ويراجع نفسه، ويرجع إلى ربه ليكون وفق مقتضيات هذه العبادة التي هو فيها. وإن كان هذا المؤذي من غير المسلمين ممن لا يدينون بفرض الصيام، فإنه حسبه أن يسمع هذه الإجابة ليكتشف خبايا هذا الدين، وليعرف أسرار العبادات فيه، وكيف تأثيرها على النفس البشرية، حتى لا تنزع النفس منزع أمر طبيعي فيها وهو حبها للانتقام من الغير، بل إنما تنزع إلى الألفة، وتنزع إلى السِّلم، وتنزع إلى الخير، وهذا مما يدعو إلى فهم الدين واعتناق الإسلام. وبطبيعة الحال الإنسان عندما يدخل هذه المدرسة، وتمر به هذه الدورة التدريبية في كل عام مرة واحدة، فضلًا عن صيام النفل، لا ريب أنه يتروَّض وينقاد، ويسارع إلى الطاعة، ويتجنب المعصية، والله تعالى المستعان.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ١١‏/٧‏/٢٠١٣👁 2 مشاهدة
🎬

الصيام حكمة وأحكام - للشيخ أحمد بن حمد الخليلي 1 رمضان 1434 هـ HD

المسائل المتنوعة في الصوم

✦ فتاوى مشابهة

دور الصيام لوحدة الأمة

1 👁

ما دور الصيام في زمن تشتت المسلمين وفقرهم وذلهم، وكيف يؤدي الصائم دوره؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٠‏/٥‏/٢٠١١

التقوى وثمرات الصيام

2 👁

هل تقوى الله نتيجة لازمة للصيام وحده أم أنها تحتاج إلى برنامج إيماني خاص زائد على مجرد الصيام؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٩‏/٦‏/٢٠١٤

معنى التقوى وعلاقتها بالصوم

2 👁

هل ربط الصيام بالتقوى يعني أن الصيام هو عين التقوى أم أنه وسيلة لتحصيل ثمرة أخرى هي التقوى؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٧‏/٥‏/٢٠١٧

حقيقة فرضية الصيام

2 👁

ما حقيقة كتابة الصيام على البشر وحكمته، وهل أدرك الناس أن لهذا الفرض القديم آثاراً تطبع الخير وتقوي الإنسان وتساهم أجواء الصيام في حسم الخلافات بين الناس؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

الصوم والأمم السابقة

2 👁

ما الذي ينبغي للمسلم فهمه من تذكير القرآن بأن الصيام فُرض على الأمم التي قبلنا وكيف كانت فرضية الصيام في حقهم؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٩‏/٦‏/٢٠١٤

صوم الأصم وحده

2 👁

كيف يصوم ويفطر الأصم إذا كان وحده ولا يسمع الأذان ولا يعرف الوقت بدقة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٨‏/٦‏/٢٠١٦