⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
في بداية حديثي أهنئ جميع المسلمين والمسلمات بهذه المناسبة الطيبة، مناسبة استقبال هذا الشهر الفضيل، وما جعل الله سبحانه وتعالى فيه من خير عظيم، وما يكون فيه من رفع الدرجات، ومحق السيئات، وتقبل الحسنات. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعا من عتقائه من النار في هذا الشهر الكريم، وأن يوفقنا جميعا لصيامه وقيامه على النحو الذي يرضيه، وأن يوفقنا جميعا للتوبة النصوح، والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، وتجديد عهد الإيمان والطاعة بيننا وبين الله.
هذا، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى له الحكم المطلق؛ لأنه خالق الكون ومدبره، فكل شيء في هذا الوجود إنما هو ملك لله، ملك لله تعالى، ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ومن ذلك الزمان والمكان؛ ولذلك ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، فهو سبحانه وتعالى لا يُسأل عن تفضيل بعض مخلوقاته على بعض، ومن بين هذه المخلوقات الأزمنة والأمكنة، وإنما نستمد ما يتراءى لنا من حكمه من كتابه ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ونحن إذا عدنا إلى كتاب الله وجدنا ما يدل على أن هذا الشهر الكريم فُضِّل بليلة القدر، هذه الليلة المباركة هي التي اختارها الله سبحانه وتعالى لأن تكون ميقاتا لنزول هذا الكتاب الكريم الذي أنزله على قلب عبده ورسوله، سيدنا ونبينا محمد، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، ليكون هدى للمتقين، وهدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان، وهدى ورحمة للمحسنين، وهدى وبشرى للمؤمنين.
هذا الكتاب العزيز الذي يحل ألغاز الوجود، والذي يضع كل شيء موضعه، ويبوِّئ كل أمر مَبْوَأه، ويصل العبد الضعيف بربه القوي الذي له تصريف كل شيء، ويصل أيضا بين هذا الإنسان وبين بني جنسه، فيصل الفرد بأسرته، وبمجموعه الواسع الأرجاء المترامي الأطراف الذي يسبح كل شيء منه بحمد الله، ويسجد خاضعا لجلال الله، فالقرآن الكريم جاء ليصل الإنسان بهذا الوجود كله، وجاء أيضا ليضع كل شيء موضعه، ويعطي كل شيء حكمه، لأنه تنزيل من حكيم حميد، فيه تبيان كل شيء.
وقد اختار الله تعالى نزول هذا الكتاب الكريم أن يكون ميقاته الأول هو هذا الشهر، هو هذا الشهر الفضيل، ونحن نجد امتنان الله سبحانه وتعالى على عباده بإنزاله هذا الكتاب في هذا الشهر الكريم عندما قال عز من قائل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، ونجد أيضا فيه الربطة بين هذا الامتنان وبين مشروعية صيام هذا الشهر عندما يقول سبحانه وتعالى على إثر ذلك: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، إذ ربط سبحانه وتعالى بين ذلكم الامتنان وهذا التشريع بالفاء التي تقتضي ربط ما بعدها بما قبلها، وفي هذا ما يؤذن بأن في الصيام عونا للإنسان على القيام بأداء رسالة القرآن، والقيام بواجباته، والاضطلاع بأمانته؛ ذلك لأن الصيام يرهف الحس، ويرقق المشاعر، ويذكي جانب الروح، ويضعف جانب الشهوات في الإنسان، فيرقى هذا الإنسان ويسمو حتى يتشبه بملائكة الله سبحانه وتعالى.
لذلك كان في هذا الصيام ما يعين الإنسان على القيام بمسؤولية القرآن وواجباته، والحفاظ على أمانته، وإبلاغ رسالته، فإن هذا القرآن أنزل من أجل تكييف الحياة وفق مقتضياته، من أجل أن يكون الإنسان الصورة من هداية القرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى جمع في هذا القرآن كل خير، وعندما يأخذ الإنسان بحجز القرآن، ويستمسك بحبله المتين، ويتبع نوره المبين، لا ريب أنه يتجاوز جميع العقبات، ويستطيع أن يذلل نفسه لطاعة الله سبحانه وتعالى، ويستطيع أن يتغلب على شهواته ورغباته، حتى تكون هذه النفس منقادة له، وحتى يقوى فيها جانب الإرادة على جانب الشهوة، فلذلك كانت هذه المشروعية.
ولا ريب أن كل عبادة من العبادات إنما تُذكي روح التقوى في نفس الإنسان، كما يؤذن بذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]، فالتقوى هي الغاية من مشروعية كل عبادة من العبادات، ومن بين هذه العبادات صيام شهر رمضان، فإنه يقوي جانب التقوى في الإنسان، والتقوى وعاء عام يشمل كل خير، كما أنه ينفي عن حيزه كل شر، فكل خير إنما هو داخل في إطار التقوى، كل خير يعود إلى الاعتقاد، أو يعود إلى العمل، أو يعود إلى القول، أو يعود إلى الأخلاق، هو عائد إلى التقوى؛ لأنه داخل في مدلول التقوى؛ إذ مفهوم التقوى: اتقاء سخط الله تعالى بفعل ما فرض، والازداد من الخير بفعل ما أمر به، والانزجار عما نهى عنه، فعندما يكون الإنسان حريصا على فعل ما أُمر به من الخير، واجتناب ما نُهي عنه من الشر، فلا ريب أنه يكون من المتقين، ولا ريب أن الصيام يؤدي إلى هذه الغاية النبيلة عندما يؤديه الإنسان على النحو الذي أمره الله تعالى به.