⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
التقوى منشؤها الإيمان، الصلة بالله سبحانه وتعالى، فإن الإنسان إن عرف ربه وعرف حق ربه سبحانه وتعالى، وعرف أن منقلبه إلى الله سبحانه، لا ريب أنه يتقيه، فتقوى الله تعالى تقتضي الاستمرار على طاعة الله تعالى وعدم التفريط في هذه الطاعة في أي جزئية من جزئيات الطاعة.
نحن نرى الأدلة الكثيرة التي تدل على أن تقوى الله تعالى تعني جانب التحلِّي وجانب التخلِّي؛ هي من حيث المدلول اللغوي تعني جانب التخلِّي؛ لأن «اتقى» بمعنى تجنب، ولكن من حيث المدلول الشرعي فالكل داخل في مفهوم التقوى: التحلِّي والتخلِّي؛ التخلِّي عن كل مذموم، والتحلِّي بكل محمود، التخلِّي عن الفجور، والتحلِّي بالعمل الصالح الذي يقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
بل تندرج في مفهوم التقوى العقيدة نفسها، تدخل دخولًا أوليًّا في التقوى؛ فالله سبحانه وتعالى يقول في وصف كتابه العزيز: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 2-3]، أول ما وصفهم بأنهم يؤمنون بالغيب، ومعنى ذلك أن العقيدة مندرجة في مدلول التقوى من حيث المعنى الشرعي.
وكذلك نجد أن الله تعالى يبين أن التقوى بمعنى البر، والبر بمعنى التقوى، فالله تعالى يقول: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [المائدة: 93]، وبيَّن سبحانه وتعالى خصال البر، وبين فيما بعد أن هذه الخصال هي نفس خصال التقوى؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].
فنجد في هذه الخصال التي ذكرها الله تعالى هنا: أول خصلة هي الإيمان: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾، ومعنى ذلك أن البر لا بد من أن يستجمع جميع أركان الإيمان، ومع ذلك أيضًا أن يكون هذا الإيمان مصدَّقًا بالقول والفعل، في جانب السلبي وجانب الإيجاب، أي في جانب الترك وجانب العمل، في كل هذه الجوانب لا بد من أن يكون هذا الإيمان مُصدَّقًا، يتجلى في كل جزئية من جزئيات الأعمال فعلًا وترْكًا.
هكذا حقيقة التقوى، وبهذا يرقى الإنسان إلى درجة المتقين، ولا ريب أن الصيام كغيره من العبادات يؤدي إلى تقوى الله سبحانه، والله تعالى في أول آية من آيات الصوم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، فغِيَّت مشروعية الصيام بالتقوى؛ أي: التقوى هي الغاية، وهي الثمرة من العمل بهذا الواجب.
وكذلك بالنسبة إلى آخر آيات الصوم اختتمها الله بذكر التقوى عندما قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 187]، فتقوى الله سبحانه وتعالى تحصل بالصيام لما فيه من تهذيب النفس والرقي بها، وتطهير القلب من جميع الأرجاس، وقوة الصلة بالله سبحانه وتعالى، إذ الصائم هو في جهاد، في جهاد مع النفس؛ يَحْمِلُها على مفارقة شهواتها، ويعوِّدها الخير، يَعوِّدها الانضباط.
فالصائم مطالب بالانضباط في أقواله وأفعاله، لا يصدر منه الهُجْر من المقال، ولا يصدر منه القبيح من الأعمال؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، وهذا الكلام لا يخرج إلا مخرج التهديد.
بل فوق ذلك يبين الرسول صلى الله عليه وسلم ما في الصيام من حكمة: تهذيب النفس والرقي بالأخلاق، بحيث يتعود الإنسان لا على كف الأذى منه عن غيره، وإنما يتعود على احتمال الأذى من الغير، ومقابلة الإساءة بالإحسان؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الصيام جُنَّة، فإذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ سابَّه أو قاتله فليقل: إني صائم».